يهدف هذا التقرير إلى استقصاء واقع قيم النزاهة ومبادئ الشفافية ونظم المساءلة في عمل مجلس التنظيم الأعلىبشكل خاص، واللجان التنظيمية بصورة أولية، من خلال فحص الإطار القانوني والمؤسسي والإجرائي الناظم لعمل مجلس التنظيم الأعلى، وتحديد مكامن الخلل ومخاطر الفساد المحتملة، وصولاً إلى صياغة توصيات لتعزيز منظومة النزاهة في أعمال المجلس.
يعد مجلس التنظيم الأعلى السلطة التنظيمية العليا المختصة بالتخطيط العمراني والحضري وتنظيم استخدامات الأراضي في فلسطين. ويأتي التقرير في سياق جهود ائتلاف أمان الرامية إلى ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة في مؤسسات الحكم المحلي.
اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، من خلال مراجعة وتحليل الإطار القانوني والمؤسسي الناظم لعمل مجلس التنظيم الأعلى واللجان التنظيمية، والتأكد من توفر البيئة القانونية التي تنظم إجراءات العمل وسلوك العاملين من الناحية النظرية والممارسة الواقعية، بالاستناد إلى منهجية جمع المعلومات ذات العلاقة من مصادرها المختلفة، إضافة إلى الاستناد إلى مقابلات نوعية مع جهات رسمية ومهنية ذات علاقة.
ويتضح من قراءة الإطار القانوني، بالرغم من شموليته في تحديد الاختصاصات وتوزيع الصلاحيات، أنّه ما زال يحمل ثغرات بنيوية تمسّ جوهر الحوكمة الرشيدة. فالقوانين السارية، وعلى رأسها قانون تنظيم المدن والقرى والأبنية رقم (79) لسنة 1966 وتعديلاته والأنظمة المبنية عليه، تنشغل بإجراءات التخطيط والتنظيم، دون أن تُؤسّس بشكل كافٍ لمنظومة حوكمة قيمية تضبط سلوك الفاعلين داخلها.
يقوم الإطار المؤسسي لعمل مجلس التنظيم الأعلى على توزيع الأدوار بين المستويات المحلية والإقليمية والمركزية، بما يعكس تطبيق مبدأ الفصل بين متخذ القرار ومنفذه. كما تكرّس الطابع التشاركي بين القطاعات ذات الصلة في إدارة عملية التخطيط العمراني.
ويظهر تقييم بيئة النزاهة أنّه رغم خضوع أعضاء المجلس للأطر القانونية العامة المتعلقة بتضارب المصالح، إلا أنه لا يتوفر إطار إجرائي مكتوب ومتخصص لمجلس التنظيم الأعلى ينظم بصورة موحدة الإفصاح عن المصالح والتنحي وتوثيق حالات التعارض، كما لا توجد مدونة سلوك متخصصة تراعي طبيعة عمل المجلس وقراراته.
وأظهر التقرير أنّ حجم الملفات المعروضة على المجلس، في مقابل انعقاده دورياً بواقع جلسة شهرية في المعتاد، يرتبط بتراكم بعض المعاملات وامتداد مدد إنجازها، رغم مرور الملفات قبل عرضها على المجلس بمراحل فنية وقانونية متعددة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسة زيادة دورية انعقاد المجلس بما يتناسب مع حجم العمل، من دون الإخلال بمراحل الدراسة الفنية والقانونية السابقة لاتخاذ القرار.
وفي المقابل، سجل التقرير عدداً من عناصر القوة في منظومة عمل المجلس، من أبرزها تعدد الجهات الممثلة في عضويته، ومرور الملفات بمراحل فنية وإدارية متعددة قبل اتخاذ القرار، ووجود فصل مؤسسي بين الجهة التي تبدأ منها المعاملة والمجلس صاحب القرار النهائي، إلى جانب وجود نظم إلكترونية للتوثيق والتعامل مع الملفات.
كما أظهر التقرير حاجة إلى تعزيز التكامل وتبادل البيانات بين الجهات الأعضاء في المجلس، ولا سيما بين بيانات الأراضي والتسوية وخرائط التنظيم، لما قد يترتب على عدم اتساقها من آثار في حقوق المواطنين وقيمة الأراضي وإمكانات البناء والترخيص.
وفي جانب المتابعة والرقابة، بيّن التقرير أنّ أعمال التفتيش والرقابة الميدانية تقع ضمن اختصاص الجهات التنظيمية المختصة، إلّا أنّ القانون يقرر لوزير الحكم المحلي، الذي يرأس مجلس التنظيم الأعلى، دوراً في مراقبة اللجان التنظيمية وتوجيهها. وفي هذا السياق، تظهر الحاجة إلى تطوير نظام مؤسسي منتظم لقياس كفاءة أداء هذه الجهات ومتابعة مدى الالتزام بالمخططات والسياسات التنظيمية المعتمدة، بما يعزز الكشف المبكر عن الاختلالات قبل تراكم آثارها.
واستخدم التقرير عدداً من الحالات التطبيقية لإظهار أثر بعض فجوات الحوكمة في الممارسة، بما في ذلك الحاجة إلى تعزيز نظم الرقابة والمتابعة من المجلس، وتوثيق فحص تضارب المصالح، وتعزيز تكامل البيانات، وتحسين آليات المتابعة والمساءلة.