بعد مراجعة الإطار التشريعي والتحليلي للقرار بقانون رقم (10) لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية وتعديلاته، وتحليل عدد من نصوصه ذات الصلة بالحقوق والحريات العامة، ومقارنتها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما ما يتصل بحرية الرأي والتعبير والحق في الخصوصية، وانعكاساتها على الفضاء المدني، يمكن استخلاص النتائج الآتية:
خلصت الورقة إلى أن أثر القرار بقانون لا يقتصر على تنظيم مكافحة الجرائم الإلكترونية، وإنما يمتد إلى البيئة التي يمارس فيها الأفراد والصحافيون والنشطاء والمدافعون عن حقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني أنشطتهم الرقمية (الفضاء المدني). ويظهر ذلك بصورة خاصة في الأحكام المتعلقة بالاحتفاظ ببيانات المستخدمين، والوصول إلى الأجهزة والأنظمة والبيانات، وتفتيش أنظمة المعلومات وضبطها، ومراقبة الاتصالات، وحجب المواقع والمحتوى الإلكتروني.
ويزداد هذا الأثر في ضوء استخدام سلطات إنفاذ القانون بعض النصوص لمصطلحات واسعة الدلالة وفضفاضة، مثل "النظام العام" و"السلم الأهلي"، إلى جانب محدودية بعض الضمانات القضائية والرقابية، ما قد يؤدي إلى عدم وضوح الحدود الفاصلة بين النشاط المشروع والنشاط الذي قد يكون عرضة للمساءلة، الأمر الذي قد يدفع الأفراد والمؤسسات إلى توخي الحذر في ممارسة حقوقهم. وبالتالي، فإن أثر هذه الأحكام قد لا يظهر، فقط، عند اتّخاذ إجراءات قانونية بحق أشخاص أو مؤسسات، وإنما قد يظهر بصورة غير مباشرة من خلال تردد بعض الناشطين والعاملين في مؤسسات المجتمع المدني في التعبير أو نشر المعلومات أو التواصل والمشاركة في الأنشطة الرقمية خشية التعرض للمساءلة.
تبيّن الورقة أن بعض الأحكام المتعلقة بمراقبة الاتصالات، وحفظ البيانات، والوصول إلى المعلومات الرقمية، وحجب المواقع الإلكترونية، لا توفر في جميع الحالات ضمانات قضائية سابقة ومشددة تكفل حصر هذه الإجراءات في الحالات الضرورية والمشروعة، وتحدد نطاقها ومدتها والجهات المخولة باتخاذها. ويثير ذلك إشكالات جدية بشأن حماية الحق في الخصوصية وضمانات المحاكمة العادلة، ولا سيما في ضوء التزامات دولة فلسطين بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
تبين الورقة أن بعض أحكام القرار بقانون تلزم مزودي خدمات الاتصالات والجهات ذات الصلة بالاحتفاظ ببيانات المستخدمين وبيانات حركة الاتصالات والسجلات الرقمية، وتوفيرها للجهات المختصة وفقاً للإجراءات المنصوص عليها في القانون. وفي ظل عدم وجود قانون فلسطيني شامل ومتكامل لحماية البيانات الشخصية، ينظم بصورة دقيقة جمع البيانات ومعالجتها والاحتفاظ بها ومشاركتها، ويحدد أغراض استخدامها، والجهات المخولة بالوصول إليها، ومدة الاحتفاظ بها، وآليات الرقابة والمساءلة والطعن والتظلم، تظل هناك فجوة تشريعية قد تزيد من مخاطر الوصول إلى البيانات أو استخدامها على نحو يتجاوز الغرض الذي جُمعت من أجله، بما قد يؤثر في مستوى الحماية المقررة للخصوصية والثقة في البيئة الرقمية.