أمان يدعو إلى ضبط الاستثناءات عبر حوكمتها ووضع معايير واضحة وملزمة لممارستها
ائتلاف أمان يعقد جلسة حول الاستثناءات في أعمال وصلاحيات المسؤولين في وزارة النقل والمواصلات في تقديم الخدمات ومنح التراخيص
رام الله - عقد الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان)، جلسة نقاش حول ورقة بحثية بعنوان: "الاستثناءات في أعمال وصلاحسات المسؤولين في وزارة النقل والمواصلات في تقديم الخدمات ومنح التراخيص"؛ بهدف مناقشة واقع الصلاحيات التقديرية والاستثناءات في الوزارة، ومدى خضوعها لضوابط ومعايير واضحة تضمن النزاهة والشفافية وتحد من مخاطر استغلال السلطة.
وافتتحت الجلسة مديرة العمليات في ائتلاف أمان، هامة زيدان، موضحةً أن اختيار موضوع الإصلاح الإداري والامتيازات والتراخيص يأتي في إطار توجهات الاستراتيجية الجديدة للائتلاف للأعوام 2027–2028، التي تركز على الاقتراب من قضايا الصمود وتعزيز قدرة المواطنين والمؤسسات على مواجهة التحديات.
وأشارت زيدان إلى أن الائتلاف يولي اهتماماً متزايداً لعدد من القطاعات الحيوية، من بينها الصحة والتعليم والبيئة والطاقة المتجددة، إلى جانب ملف الامتيازات والتراخيص والخدمات المرتبطة بالمعابر والتنقل، نظراً لما تنطوي عليه هذه المجالات من فرص محتملة للفساد، منوّهة أن الدراسة أعدت بالتعاون مع وزارة النقل ووالمواصلات.

وأكدت زيدان أن أمان يتحفظ بشكل عام على التوسع في منح الاستثناءات، ويرى أن الأصل هو وجود قواعد وإجراءات عامة وواضحة تطبق على الجميع دون استثناء، إلا أن الواقع الفلسطيني والظروف الاستثنائية قد تفرض في بعض الحالات التعامل مع استثناءات محددة. ومن هنا، تبرز أهمية حوكمة هذه الاستثناءات وحصرها في أضيق نطاق، وإخضاعها لمعايير واضحة وملزمة، وضمان تسبيبها وتوثيقها وإمكانية مراجعتها، بما يعزز المساواة والشفافية ويحمي المصلحة العامة.

بعض الصلاحيات التقديرية لا تخضع دائمًا لمعايير مكتوبة وموحدة
واستعرضت معدة الورقة البحثية، الباحثة رائدة قنديل، أبرز ما توصلت إليه بشأن الاستثناءات والصلاحيات التقديرية التي يمارسها المسؤولون في وزارة النقل والمواصلات في مجال تقديم الخدمات ومنح التراخيص والموافقات.
وأظهرت الورقة أن أوسع الصلاحيات في هذا المجال تتركز لدى سلطة الترخيص، ومراقب المرور، ثم الوزير، مع وجود صلاحيات تنسب إلى "السلطة المختصة"، بما يجعل نطاق التفويض عاملًا مؤثرًا في تحديد صاحب القرار الفعلي.
كما بينت أن بعض الأنظمة والإجراءات، ومنها نظام تمليك رخص تشغيل الأرقام العمومي وقرار تنظيم النقل الخاص لسنة 2019، أدخلت ضمانات إجرائية مهمة في منح بعض الرخص، من بينها دراسات الاحتياج والإعلان والقرعة ونشر أسماء المستوفين والمشاركة المؤسسية والرقابية، إلا أن هذه الضمانات لا تزال بحاجة إلى تطوير، خاصة في ظل غياب منهجيات ومؤشرات معلنة لتحديد الاحتياج وتوزيع الرخص والخطوط ومكاتب التكسي وشركات النقل الخاص.
وأشارت الورقة إلى أن ممارسة بعض الصلاحيات التقديرية لا تخضع دائمًا لمعايير مكتوبة وموحدة، كما لا تلتزم جميع القرارات بالتسبيب والتوثيق أو بمسار واضح للمراجعة، إلى جانب غياب حصر موحد للاستثناءات، ونموذج ثابت لطلبها، وسجل مركزي لقراراتها، فضلًا عن وجود بعض أدلة العمل والتعليمات القديمة أو غير المعتمدة أو غير المنشورة.
كما بينت أن مساحات التقدير لا تقتصر على مرحلة منح الرخص، وإنما تمتد إلى ما بعد إصدارها، بما يشمل تعديلها أو تجديدها أو إلغاءها، وإضافة شروط جديدة، والموافقة على التحويل أو الوقف والبيع، واختيار الجزاءات الإدارية، وهي قرارات قد تترتب عليها آثار اقتصادية وقانونية مماثلة لأثر قرار منح الترخيص ابتداءً.

توجه حكومي لمعالجة أبرز الإشكاليات
وفي المقابل، أشارت الورقة إلى وجود توجه حكومي لضبط الاستثناءات الواردة في التشريعات الناظمة لعمل الوزارة، شمل وقف ممارستها بصورة فردية، وعرض الطلبات الخاصة على مجلس الوزراء، ومراجعة التشريعات وحصر الصلاحيات، وأتمتة الخدمات، وإحالة ملفات شبهات الفساد إلى الجهات المختصة.
توصيات لحوكمة الاستثناءات وضبط الصلاحيات
وأوصت الورقة بمراجعة النصوص التشريعية ذات الأولوية، وتحديد الحالات والنطاق والمدة والجهة المختصة بمنح الاستثناء، إلى جانب تعريف المفاهيم المفتوحة الواردة في بعض التشريعات، مثل "المصلحة العامة" و"العذر المقنع" و"السبب المعقول"، ووضع معايير قابلة للتحقق تضمن اتساق التطبيق بين الحالات المتماثلة.
كما دعت إلى اعتماد منهجية مكتوبة ومعلنة لدراسات الاحتياج وتوزيع الرخص والخطوط ومكاتب التكسي وشركات النقل الخاص، ووضع معايير موحدة في المجالات التي تتطلب تقديرًا فنيًا، واعتماد نموذج موحد لطلبات الاستثناء يتضمن السند القانوني والوقائع والمصلحة العامة والبدائل والرأي الفني والقانوني والمدة والآثار.
وفي مجال الشفافية والرقمنة والرقابة، أوصت الورقة بإنشاء سجل إلكتروني موحد لطلبات الاستثناء وقراراتها، وحصر أدلة الإجراءات والتعليمات المعمول بها وتحديثها واعتمادها ونشر النسخ السارية منها، إلى جانب نشر بيانات دورية عن طلبات الاستثناء وقراراتها ودراسات الاحتياج وتوزيع الرخص، مع مراعاة حماية البيانات الشخصية.
كما شددت التوصيات على أهمية تفعيل قواعد تضارب المصالح وسرية المعلومات، وتوفير قنوات معلنة وآمنة للشكاوى والتظلمات، وتنفيذ تدريبات دورية للمسؤولين والموظفين المعنيين بالتراخيص والخدمات حول حدود السلطة التقديرية وقانون مكافحة الفساد وقواعد الإفصاح عن تضارب المصالح.
ودعت الورقة إلى وضع خطة تنفيذ للإصلاحات تتضمن جهة مسؤولة ومدة زمنية ومؤشر إنجاز لكل إجراء، بما يضمن تحويل التوجهات الإصلاحية الحالية إلى قواعد مؤسسية مستدامة لا ترتبط بالإدارة الحالية للوزارة.
وأكدت الورقة أن الهدف من الإصلاح لا يتمثل في إلغاء السلطة التقديرية بصورة مطلقة، وإنما حوكمتها بما يضمن بقاء المرونة الفنية والإدارية الضرورية، مقابل اشتراط المساواة والشفافية والتسبيب والتوثيق والمراجعة في القرارات التي تمنح منفعة أو تؤثر في المركز القانوني للمرخص له.

وزارة النقل والمواصلات: أوقفنا العمل بالاستثناءات الفردية
وعقّب عطوفة وكيل وزارة النقل والمواصلات، محمد حمدان، مؤكدًا أن الورقة تأتي في سياق دعم جهود الإصلاح، وأنها ثمرة نهج تشاركي يسلط الضوء على أبرز التحديات ويقترح حلولًا عملية لمعالجتها. وأشار إلى أن الوزارة عملت خلال الفترة الماضية على إصدار عدد من الأنظمة الناظمة لقطاع النقل، إلى جانب مراجعة الصلاحيات الممنوحة بموجب القوانين والأنظمة.
وأوضح حمدان أن طبيعة قطاع النقل المتغيرة وارتباطه باحتياجات المواطنين والتغيرات السكانية والظروف الطارئة تقتضي وجود هامش من الصلاحيات لاتخاذ القرارات، إلا أن هذه الصلاحيات يجب أن تكون محددة وقابلة للقياس وأن تستند إلى أسس ومعايير واضحة ومعلنة.
وأكد أن الوزارة أوقفت العمل بالاستثناءات الفردية، وشكلت لجنة لدراسة الحالات التي تستدعي استثناءً، على أن يكون الاستثناء عامًا ومبنيًا على معايير محددة، وليس موجهًا لأشخاص بعينهم. وضرب مثالًا على ذلك بإعفاء جميع قطاعات النقل من تقديم براءة الذمة لمدة ثلاثة أشهر، في ضوء الظروف الاقتصادية التي يمر بها القطاع.

ولفت إلى أن الوزارة تعمل على تعزيز التحول الإلكتروني في تقديم الخدمات، بما يتيح للمواطن إنجاز معاملاته بمهنية وسرعة، إلى جانب توحيد قواعد البيانات وربط مديريات النقل والمواصلات، بما يسهم في تقليل أعداد المراجعين وتحسين كفاءة الخدمات. كما أشار إلى عمل لجنة تشريعية على مراجعة الأنظمة والقوانين المتعلقة بالاستثناءات والصلاحيات، بهدف ضبطها وتحديد مرجعيات واضحة لاتخاذ القرار.
وشدد حمدان على أن الصلاحيات الممنوحة يجب أن تكون محصنة بضوابط ومعايير واضحة، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن الوزارة ليست الجهة الوحيدة صاحبة القرار في بعض الملفات، ولا سيما ما يتعلق بالمعابر، نظرًا لارتباطها باتفاقيات والتزامات قائمة.
وفيما يتعلق بالاستيراد، أوضح أن الوزارة لا تتواجد على المعابر، وأن إجراءاتها تتركز في تدقيق أوراق المركبات وليس فحص المركبات نفسها، ما يستدعي معالجة هذا الجانب ضمن منظومة متكاملة للرقابة على المعابر.

ممثلون عن قطاع النقل: الحاجة إلى مرونة منظمة تستجيب للواقع
من جانبه، أثار عبد الحكيم غنام، ممثل نقابة مدارس السياقة، قضية الأعداد المتزايدة لمركبات مدارس تعليم السياقة، مشيرًا إلى وجود نحو 270 مركبة تعليم سياقة، وداعيًا إلى اتخاذ قرار واضح وملزم لتنظيم أعداد المركبات التابعة للمدارس والحد من آثارها على المواطنين والشارع.
بدوره، طالب أمين سر نقابة مكاتب التكسي في رام الله والبيرة، جواد عمران، بتمديد العمر الافتراضي للمركبات في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة والصعوبات التي يواجهها أصحاب المكاتب في توفير السيولة والحصول على القروض. ورأى أن بعض الاستثناءات قد تكون ضرورية للاستجابة للظروف التي يفرضها الواقع الفلسطيني.

من جهته، حذر علاء مياس، رئيس نقابة عمال النقل، من أن وقف الاستثناءات بشكل مطلق قد يفاقم الصعوبات التي يواجهها قطاع النقل في ظل الإغلاقات والتغيرات المستمرة في حركة الطرق والمعابر، مؤكدًا في الوقت ذاته ضرورة تنظيم الاستثناءات وضبطها بمعايير واضحة تمنع خضوعها للاجتهادات الشخصية وتحمي المصلحة العامة وحقوق المواطنين.

الحاجة إلى مأسسة الإصلاح وضمان استمراريته
من جانبه، أعرب د. عزمي الشعيبي، مستشار مجلس إدارة ائتلاف أمان لشؤون مكافحة الفساد، عن قلقه من التحديات التي قد تواجه عملية الإصلاح، مؤكدًا أن الانتقال من نهج استمر لسنوات إلى منهج جديد يحتاج إلى جدية ومتابعة واستمرارية.
وشدد الشعيبي على ضرورة التمييز بين الاستثناء العام والاستثناء الخاص، موضحًا أن الاستثناء العام الذي يستفيد منه الجميع ويمكن تبريره بالمصلحة العامة يختلف عن الامتياز الممنوح لشخص أو شركة أو مؤسسة بعينها، مؤكدًا أن الممارسات السابقة لا ينبغي أن تتحول إلى حقوق مكتسبة تبرر استمرارها.
ودعا الحكومة إلى تبني الإصلاح في وزارة النقل والمواصلات كسياسة حكومية مؤسسية مستدامة لا ترتبط بشخص أو إدارة بعينها، بحيث يمكن البناء على تجربة الوزارة وتعميم الدروس المستفادة منها على الوزارات والمؤسسات الحكومية الأخرى.
