أطلقت الحكومات الفلسطينية، منذ العام 2022، أجندات إصلاحية شاملة، وأقرتها. واستمراراً لهذا المسار، أقرت الحكومة التاسعة عشرة مصفوفة إصلاح في نهاية العام 2024، وبدأت العمل على تنفيذها، بهدف استعادة الثقة بالمؤسسات العامة، وتحسين الحوكمة والعدالة العامة، مع التركيز، بشكل خاص، على إصلاح التشريعات والعمليات القضائية.
ومن ضمن القطاعات التي تم التركيز عليها في مصفوفة الإصلاح القطاع الزراعي الذي تعرض، وعلى مدار سنوات الاحتلال، إلى استهداف مباشر وممنهج. وقد تفاقم هذا الواقع، بشكل واضح، في ظل تداعيات حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث عانى المزارعون -وما زالوا- من تحديات دائمة ومتصاعدة، وبخاصة في الأغوار والمناطق المصنفة (ج) و(ب) حسب اتفاقية أوسلو، نتيجة الاعتداءات المتكررة من جيش الاحتلال والمستوطنين، إلى جانب القيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي الزراعية. وهو ما جعل من العمل الزراعي تحدياً مستمراً أمام المزارعين في سبيل الحفاظ على سبل عيشهم وبقائهم في أراضيهم في ظل غياب السيادة على الأرض والأمن الغذائي المقيدة بالاتفاقيات الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
ضمن هذا السياق، تأتي المبادرة السادسة "تعزيز الزراعة المستدامة والأمن الغذائي"، كجزء من المبادرات التنموية الاستراتيجية في المرحلة الأولى من خطة التنمية والتطوير للحكومة الفلسطينية التاسعة عشرة،[1] كاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، ومحاولة لتعزيز مقومات الصمود، وبخاصة في ظل القيود المفروضة على الموارد الطبيعية والأسواق. كما تركز المبادرة على تطوير القطاع الزراعي باعتباره إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، وأداة مهمة لتعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وتسعى الحكومة، من خلال هذه المبادرة، إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التي حددتها في الخطة، والتي تشمل زيادة الإنتاج، وتحسين إنتاجية المحاصيل الحقلية والعلفية واللحوم الحمراء، وتعزيز مشاريع مياه الري وتحسين توافرها وكفاءتها، وإعادة تأهيل الآبار الجوفية الزراعية. كما تشمل تحسين قدرة المزارعين والمجتمعات الريفية على الصمود، وتحسين الظروف البيئية وسبل العيش، وتسهيل الوصول الآمن إلى الأراضي الزراعية، إلى جانب دعم سبل عيش المجتمعات الريفية التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل. كذلك تهدف المبادرة إلى تقليل الاعتماد على المنتجات الزراعية المستوردة، وزيادة مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، وتوفير فرص عمل، وبخاصة لمن فقدوا عملهم داخل الخط الأخضر.[2]
ولتحقيق هذه الأهداف، تتضمن الخطة مجموعة من المكونات التي تسعى الحكومة من خلالها إلى تحقيق أهدافها. أبرزها زيادة الإنتاج المحلي للسلع الزراعية الاستراتيجية وتعزيز الأمن الغذائي، من خلال تشجيع الممارسات الزراعية المستدامة ودعم صغار المزارعين. كما تشمل تطوير أنظمة الري المستدامة، وتحسين إدارة مياه الري من حيث العرض والطلب والكفاءة، في ظل محدودية الموارد المائية والقيود المفروضة على الوصول إليها، بما في ذلك التوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة لأغراض الزراعة. كذلك تتضمن استعادة البيئة الزراعية من خلال مكافحة التصحر وتدهور الأراضي، وحماية التنوع البيولوجي واستعادة المراعي، وتنفيذ برامج تشجير واسعة، وإعادة تأهيل الأراضي وبناء الطرق الزراعية. إضافةً إلى ذلك، تشمل الخطة تدخلاً عاجلاً يهدف إلى دعم المزارعين المتضررين والمجتمعات الضعيفة، بما يضمن استمرارية الأنشطة الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي.[3]
وتجدر الإشارة إلى أن مكونات المبادرة السادسة، كما وردت في خطة التنمية والتطوير، تتقاطع، بشكل واضح، مع ما ورد في "الرؤية الوطنية للقطاع الزراعي" ضمن استراتيجية وزارة الزراعة للأعوام 2025–2027؛ سواء من حيث التركيز على زيادة الإنتاج، وتحسين إدارة الموارد المائية، أو استعادة البيئة الزراعية. ويعكس ذلك درجة من الاتساق بين التخطيط الحكومي العام والتخطيط القطاعي، بما يعزز وضوح الأولويات على مستوى السياسات العامة.[4] وفي المقابل، يجب أن ينعكس هذا التقاطع، بشكل أوضح، على مستوى التنفيذ، بحيث لا تبقى هذه الأولويات في إطار التخطيط، وإنما تترجم إلى تدخلات أوسع وأكثر ترابطاً وقدرة على إحداث فرق ملموس في واقع القطاع الزراعي.