خلال ورشة عمل نظمها ائتلاف أمان حول عدالة توزيع الأدوية على المراكز الصحية
المطالبة بنظام وطني يتيح للمواطنين معرفة الأدوية المتوفرة وأماكن الحصول عليها وسجل وطني للأمراض
رام الله – عقد الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) جلسة لمناقشة ورقة بحثية حول آليات وإجراءات توزيع الأدوية على المراكز الصحية الفلسطينية، بمشاركة ممثلين عن وزارة الصحة ومؤسسات المجتمع المدني والجهات ذات العلاقة بالشأن الصحي والرقابي.
وأكد المدير التنفيذي لائتلاف أمان، عصام حج حسين، في افتتاح الجلسة، أن جهود الحكومة لترشيد النفقات يجب ألا تنعكس سلبًا على الخدمات الأساسية، ولا سيما في قطاعي الصحة والتنمية الاجتماعية، لما لهما من أثر مباشر على الفئات الأكثر احتياجًا. وأوضح أن الورقة تأتي في إطار مساهمة أمان والمجتمع المدني في جهود الإصلاح، من خلال رصد واقع الخدمات العامة واقتراح إجراءات تعزز كفاءتها وعدالة الوصول إليها وشفافيتها.
معايير واضحة وعادلة لتوزيع الأدوية
واستعرض الباحث ومعدّ الورقة، زكريا سرهد، أبرز نتائجها، موضحًا أنها هدفت إلى التحقق من وجود معايير واضحة وموضوعية لتوزيع الأدوية على المراكز والمؤسسات الصحية التابعة لوزارة الصحة، بما يضمن العدالة والشفافية والنزاهة في الوصول إلى الخدمة، إلى جانب فحص آليات الرقابة والمساءلة على عملية التوزيع.
وأظهرت الورقة أن الأزمة المالية واستمرار احتجاز أموال المقاصة أثرا بصورة مباشرة على قدرة وزارة الصحة على توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، في ظل تراكم مديونية الوزارة لموردي الخدمات الصحية. كما أدى النقص الحاد في بعض الأصناف، ولا سيما أدوية الأمراض المزمنة والسرطان، إلى تقنين الكميات المتاحة، بما يؤثر على قدرة المرضى على الحصول على احتياجاتهم بصورة منتظمة.
وتطرقت الورقة كذلك إلى تأثير الحواجز والإغلاقات والعمليات العسكرية واعتداءات المستوطنين على نقل الأدوية والمستلزمات الطبية، خاصة إلى القرى والبلدات والمناطق الطرفية، إضافة إلى أثر نقص الكوادر وتقليص أيام وساعات الدوام على انتظام صرف الأدوية.

تحديات في الشفافية والربط الإلكتروني
وأشارت الورقة إلى وجود إطار إجرائي لتقدير الاحتياجات وتوزيع الأدوية يستند إلى مجموعة من المعايير، من بينها عدد السكان وأنماط الأمراض والاستهلاك السابق والكثافة السكانية ومعدلات الإصابة بالأمراض.
إلا أنها رصدت تحديات تتعلق بتفاوت توزيع الكوادر الصيدلانية بين المحافظات، ومحدودية تطبيق سياسات الإفصاح وتضارب المصالح على مستوى المديريات والمراكز الصحية.
كما خلصت إلى عدم وجود نظام إلكتروني متكامل يربط المراكز الصحية بالمديريات والمستودعات، الأمر الذي يحد من دقة التخطيط وكفاءة التوزيع، إلى جانب محدودية نشر الأدلة الإجرائية وبروتوكولات التوزيع والبيانات المتعلقة بخدمات المراكز الصحية للمواطنين.
وفي جانب الرقابة والمساءلة، أشارت الورقة إلى وجود إجراءات للتوثيق والجرد والاستلام والتسليم ومتابعة المخزون، فيما تتعلق غالبية الشكاوى المقدمة بنقص الأدوية وتأخر توريدها.
نظام وطني يتيح للمواطن معرفة الدواء المتوفر
وأوصت الورقة باعتماد منهجية علمية موحدة لتوزيع الأدوية تستند إلى عدد السكان والعبء المرضي والاستهلاك الفعلي، ومراجعتها بصورة دورية، إلى جانب تعزيز عدالة توزيع الكوادر الصيدلانية بين المحافظات، وزيادة مخصصات شراء الأدوية الأساسية، ولا سيما أدوية الأمراض المزمنة والأدوية المنقذة للحياة.
كما دعت إلى إعداد خطط طوارئ وسلاسل إمداد بديلة لضمان استمرار وصول الأدوية خلال الأزمات والإغلاقات، وإشراك الأطباء والصيادلة والعاملين في المراكز الصحية بصورة أوسع في تحديد الاحتياجات السنوية.
وطالبت الورقة بتوسيع تطبيق سياسات الإفصاح عن تضارب المصالح ومدونة السلوك لتشمل جميع العاملين في الخدمات الدوائية، وإجراء تقييم دوري لمخاطر الفساد، ونشر معايير توزيع الأدوية والأدلة الإجرائية وبروتوكولات الصرف.
وأكدت أهمية تطوير نظام وطني يتيح للمواطنين معرفة الأدوية المتوفرة وأماكن الحصول عليها، واستكمال التحول الرقمي وربط المراكز الصحية بنظام معلومات صحي موحد، إلى جانب تعزيز الرقابة الداخلية والخارجية وتفعيل نظام الشكاوى وضمان توثيقها والتحقق منها والرد عليها.

مطالب بسجل وطني موحد للأمراض
وخلال النقاش، أكد إسماعيل أبو زيادة، منسق القطاع الصحي في شبكة المنظمات الأهلية، أهمية إنشاء مستودعات طوارئ في المحافظات لضمان استمرارية توفير الأدوية في الأزمات، مشيرًا إلى الحاجة إلى نظام موحد للخارطة المرضية يوفر بيانات دقيقة حول الأمراض والاحتياجات الصحية، بما يعزز التخطيط وتوجيه الموارد والرقابة عليها.
ولفت إلى أن غياب البيانات الدقيقة حول أعداد مرضى الأمراض المزمنة يمثل تحديًا أمام تقدير الاحتياجات، داعيًا إلى إشراك مؤسسات المجتمع المدني والأطباء في إعداد وتحديث الخارطة المرضية.
من جانبه، أكد علاء بدارنة، المستشار القانوني لمركز حريات، ضرورة أن تراعي آليات التوزيع الاحتياجات الفعلية والتفاوت بين المحافظات والمراكز الصحية، وأن تضمن وصول الأدوية إلى المناطق البعيدة، خاصة في ظل الحواجز وصعوبة التنقل، مع إعطاء أولوية لأدوية الأمراض المزمنة وكبار السن.

وزارة الصحة: التوفر يتغير وفق التوريد والاحتياج
من جانبها، أوضحت شذى شريم، مديرة دائرة الصيدلة في الرعاية الصحية الأولية بوزارة الصحة، أن نسب توفر الأدوية تتغير باستمرار وفق عمليات التوريد والكميات المتاحة، وأن اعتماد نسبة ثابتة لا يعكس بدقة الواقع المتغير. وأكدت أن الكميات المتوفرة توزع على المحافظات وفق الاحتياج، ثم توزع داخل المديريات استنادًا إلى الاحتياجات الفعلية.
بدورها، أوضحت السيدة صفاء بليبلة، مديرة دائرة الصيدلة في الادارة العامة للمستشفيات في وزارة الصحة، أن تقدير احتياجات المستشفيات يتم سنويًا بمشاركة مديري الصيدلة والأطباء المختصين، وبالاستناد إلى حجم المستشفى وعدد الأسرّة والتخصصات وعدد المرضى والاستهلاك السابق.
وأشارت إلى أن الأزمة المالية وصعوبات التوريد أدت إلى وصول كميات أقل بكثير من الاحتياج في بعض الأحيان، الأمر الذي يفرض ترتيب الأولويات، بدءًا بالأدوية المنقذة للحياة والتشغيلية اللازمة للعمليات. كما أكدت أن تفاوت الكميات المتاحة لا يعود بالضرورة إلى غياب آلية عادلة للتوزيع، وإنما إلى محدودية الكميات الموردة أصلًا.

سجل وطني للأمراض
وأكد جاد الطويل، رئيس مجلس إدارة الجمعية الفلسطينية لمرضى الهيموفيليا، ضرورة إنشاء سجل وطني موحد للأمراض يتيح معرفة أعداد المرضى واحتياجاتهم بصورة دقيقة، مشيرًا إلى استعداد الجمعية للمساهمة بالبيانات المتوفرة لديها.
بدورها، حذرت عهود مرقطن من التداعيات الخطيرة لنقص بعض الأدوية، لا سيما أدوية السرطان، داعية إلى تعزيز المساءلة بشأن إدارة الموارد الدوائية، والتحقق من حالات إتلاف الأدوية منتهية الصلاحية، وضمان الاستخدام الأمثل للموازنات المخصصة للقطاع الصحي.
وفي ختام النقاش، أكد عصام حج حسين أن إصلاح قطاع الصحة لا ينفصل عن النقاش الأوسع حول أولويات الإنفاق العام، داعيًا المشاركين إلى مؤتمر الموازنة العامة لعام 2026، الذي يعقده الفريق الأهلي في 14 تشرين الأول، للخروج بتوصيات عملية تسهم في ضبط النفقات وتوجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية والخدمات الأساسية.
وأكد المشاركون أن تحقيق العدالة في توزيع الأدوية لا يعتمد على توفر الأصناف وحده، بل يتطلب معايير واضحة ومعلنة، وبيانات صحية دقيقة، ونظام معلومات متكاملًا، وتوزيعًا عادلًا للكوادر، وآليات فاعلة للرقابة والمساءلة والشكاوى، بما يضمن وصول الخدمة الدوائية للمواطنين وفق أسس موضوعية وعادلة وشفافة.
