آراء حرة

في السياسة الدولية: المعلوماتية، الأخلاق، والنظام الدولي الجديد

في السياسة الدولية: المعلوماتية، الأخلاق، والنظام الدولي الجديد

نقلا عن صحيفة الإيام | 

قضية جديدة تهّز أركان العالم حالياً، هي تلك التي بعثرتها "وثائق بنما" المتسرّبة على أرجاء المعمورة، مربكةً معظم العواصم، من بكين وموسكو، مروراً بالقاهرة ودمشق والدوحة وتل أبيب، وصولاً إلى لندن وريكيفيك وواشنطن وبيونس آيرس. ملايين الوثائق التي تطال معاملات مالية سرّية، تستهدف إما التهرب الضريبي أو إخفاء الثروة، أو كليهما معاً، لمئات من المؤسسات والجمعيات والشركات، إلى جانب الآلاف من الأشخاص، ومنهم من هو مهم في الحيّز العام من ساسة ومشاهير.

قد تكون الوثائق المتسربة صادمة، وهي بالفعل كذلك. وهذا ما قد يحشر التعامل معها في زاوية الفضائحية، كونها تُظهر الفساد المُعشعش داخل النخب السياسية والطبقات الثّرية على امتداد دول العالم. فهذه الوثائق تُبيّن الممارسات المُتّبعة من قبل أفراد من المفترض أن يكونوا قادةً وقدوة للآخرين في دولهم، بهدف التحايل المتعمّد لإخفاء فُحش ثرائهم كونه مشكوك الأصول، والتهرب من دفع الضرائب لبلادهم رغم فُحش هذا الثراء، مع أن الفقراء يدفعون. إن هذه الوثائق مُناسِبة للاطلاع على الأسباب الكامنة وراء إفقار الدول، خاصة الفقيرة أصلاً، مقابل إثراء قلّة من داخل نخبتها.

ولكن بالرغم من هذا البعد الفضائحي الذي سيثير خلال الأسابيع، وربما الشهور، القادمة مختلف وسائل الإعلام، وسيُشكّل مادة دسمة للكثير من التأويلات والتعليقات التي ستُتابع من قبل جمهور متحمس للاستماع والاستمتاع بالأخبار، يمكن النظر إلى هذه القضية من زاوية أخرى تتعلق بالمدلولات والآثار على مفاعيل وآليات عمل النظام الدولي في المستقبل. هذا النظام الذي يمّر حالياً بتحولات، يمكن الزعم بأنها جذرية، ستكون ذات تأثير وأثر كبيرين على كيفية تشكلّه وعمله في قادم الأيام.

يوجد على الأقل أربع ملاحظات يجدر أن تؤخذ بالاعتبار عند التطرق للتغيّرات الحاصلة على ديناميات وأدوات النظام الدولي حالياً. وهذه الملاحظات، حتى وإن كان أثرها موجوداً في السابق، فإن تأثيرها يتصاعد حالياً، ما قد يؤدي إلى إحداث تحولات أساسية لا يمكن التغاضي عنها في بنية وآلية عمل النظام الدولي لاحقاً. أول هذه الملاحظات يتعلق بتأثير انتشار المعلوماتية المذهل على النظام الدولي. فالمعلومات لم تعد سرّاً أو حكراً على الدول وحدها، كما كان عليه الوضع في السابق، تحتفظ بها لنفسها، وتوظّفها بالإعلان عمّا تريد منها لتحقيق مآربها ومصالحها متى تشاء، وعندما تشاء، كما لم تعد المعلومات، إذا ما شاعت، حكراً على فئة مختارة ومحددة من الناس، بل أصبحت في متناول الجميع دون استثناء.

والمثير في الأمر أن المعلومات الآن أصبحت تُعمّم بشكل لحظي ومباشر، وبوساطة العديد من الوسائل المتاحة والمتوفرة بيسر للجميع. أما المثير أكثر في هذا الجانب فهو أن مصادر المعلومات لم تعد تقتصر على المتوفر منها بصورة تقليدية، وإنما تخطى الأمر ذلك لتصبح مصادر المعلوماتية السرّية المتسربة، كوثائق بنما ووثائق ويكيليكس قبلها، منهلاً أساسياً ومؤثراً في الساحة الدولية.

وعليه، فإن المعلومات التي كان يُعتقد في السابق أنها محميّة وآمنة، أصبحت الآن أكثر عرضة للتسرّب والتداول. لقد أصبحت إمكانية الحفاظ على الأسرار أقل بكثير مما كانت عليه في السابق، ما يعني أن العلنية والشفافية ستصبح أكثر تأثيراً في مجرى الحياة العامة والدولية مستقبلاً. أما ثاني الملاحظات، وهو مرتبط بالأول، فهو ازدياد تأثير الفواعل من غير الدول داخل حلبة السياسة الدولية. وعلى وجه التخصيص، فإن منظمات المجتمع المدني، وبالتحديد تلك العاملة في مجال الصحافة والإعلام، أصبحت ذات تأثير وفاعلية كبيرين في ساحة السياسة الدولية، وأصبحت التقارير الاستقصائية التي توغلّت داخل ما كان حتى الآن حيزاً سريّاً وقصّياً للمعلومات، فكشفت عنها ونشرتها هذه المنظمات، وحتى الأفراد من الصحافيين والإعلاميين، أصبحت مادة تأثير دسمة وأساسية في تحديد مسارات السياسة الداخلية للدول، وبين الدول.

وما الإجراءات التي أعلن عنها الرئيس أوباما بالأمس، والتي ستقوم بها وزارة المالية الأميركية بشأن الحسابات المصرفية الخارجية للمؤسسات والأفراد الأميركيين، إلا مثال على ذلك. ويتعلق ثالث هذه الملاحظات بالعودة المتصاعدة لتأثير مجال الأخلاق في السياسة، إن كانت داخل نطاق الدول أو على الصعيد الدولي.

ففي فترة العقود السابقة، وبالتحديد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، جرت محاولة اتسمت بقدر كبير من النجاح للفصل بين مجالي السياسة والأخلاق، والاستعاضة عن البُعد الأخلاقي بالبعد القانوني الذي أصبح المحدد الأساس للتصرف المقبول في المجال السياسي.  يبدو أن الأمر لم يعد الآن بهذا اليسر، إذ إن ادعاء السياسيين، وغيرهم من المشاهير، بأنهم بأفعالهم وقراراتهم لم يخرقوا القانون لم يعد كافياً لتحصيل رضا مجتمعاتهم، وهذا أمر آخذ بالاتساع، بل أصبح الأهم هو التزام هؤلاء بالمعايير الأخلاقية العامة والأشمل من التطويع القسري والاتباع الحرفي لنصوص القانون. لذلك، لم يُسعف ادعاء رئيس وزراء ايسلندا أنه لم يخرق القانون في احتفاظه بحسابات وأصول مالية سرية في الخارج (وهو شكلياً لم يقم بذلك إذ "باع" حصته فيها لزوجته قبل أن يصبح ملزماً بالقانون عن الإفصاح عن ذلك)، لم يسعفه في إقناع مواطني بلده بنزاهته.

وهذا ما اضطره للاستقالة السريعة من رئاسة الحكومة. ويبدو أن الخضوع لمحددّات النزاهة العامة ومقومات الأخلاق الحميدة سيصبح أكثر فأكثر من المتطلبات الأساسية للعمل في المجال السياسي، وهذا سيؤدي إلى تأثيرات إيجابية على سلوك السياسيين في المستقبل، وعلى تصرف دولهم أيضاً.

وأخيراً، فإن لكل ما سبق تأثيراً أيضاً إيجابياً على الفاعلية السياسية للأفراد، وعلى ازدياد قدرتهم على التأثير في السياسة الداخلية لبلادهم، وبالتالي على التغيير في السياسة الدولية. إن الانتشار اللحظي والكوني للمعلوماتية من جهة، وإعادة الاعتبار للبعد القيمي - الأخلاقي في الأداء السياسي، من جهة أخرى، قد أديا، وسيؤديان أكثر في المستقبل، إلى ازدياد قدرة الأفراد من عامة الناس على التدخل الفاعل والمؤثر في توجيه سياسة بلدانهم، كما السياسة الدولية.

لقد أدى التحرك السريع للآيسلنديين الذين خرجوا مطالبين بضرورة تحمّل رئيس وزرائهم للمسؤولية والاستقالة من منصبه، إلى تحقيق هذه الاستقالة، والتي هي بمثابة إقالة شعبية له، بشكل فوري. سيكون لدى الأفراد، أينما تواجدوا، إمكانيات أوسع في المستقبل، لما يملكون من معلومات مكشوفة، القدرة على ممارسة رقابة ومحاسبة أفضل للساسة في بلدانهم. وسيشجع ذلك الانتشار الهائل لوسائل الاتصال الاجتماعي التي أصبحت الوسيلة الأبرع والأسرع والأكفأ لتحريك الناس في الحيّز السياسي الذي كان مغلقاً ومحتكراً في الكثير من البلدان حتى الآن.

إننا نعيش مرحلة تحولات أساسية سيكون لها تأثيرات مهمة في الساحات السياسية، الداخلية والدولية على السواء.

 

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان