آراء حرة

نعم (NGOs) تحتاج الى رقابة.. ولكن ماذا عن مؤسساتنا الرسمية!!!

نعم (NGOs) تحتاج الى رقابة.. ولكن ماذا عن مؤسساتنا الرسمية!!!

بقلم: فضل سليمان

قرر مجلس الوزراء الفلسطيني في شباط الماضي تشكيل لجنة لإعداد مشروع قانون لتنظيم عمل (NGOs) لتفعيل موضوع الرقابة وحسن استخدام الاموال التي ترد لها، اللجنة شكلت من وزارات العدل، المالية والتخطيط، والعمل ووزارة الشؤون الاجتماعية، وليس في عضويتها غير افراد الحكومة..هذا المقال مع التوجه نحو زيادة وتفعيل الرقابة والمساءلة على ال(NGOs)، لكنه يثير تساؤل حول من يراقب على الحكومة والمؤسسات الرسمية غير الوزارية ؟

يشير مفهوم المنظمات الأهلية غير الحكومية المعروفة اختصارًا (NGOs) إلى المبادرات الاجتماعية الطوعية التي تنشط في مجالات مثل، الخدمات الاجتماعية، والمساعدات الخيرية، والتعليم، والصحة، والثقافة، والبيئة، والتنمية، والتدريب المهني، وتأهيل النساء، والدفاع عن حقوق الإنسان، والطفل، وغيرها.

تتميز (NGOs) في فلسطين بأنها من أقدم القطاعات العامّلة ضمن الاقتصاد الفلسطيني، حيث تم تنظيمه منذ العهد العثماني في القانون الصادر لسنة 1327 هجرية، واستمر العمل فيه فترة الانتداب البريطاني، ومن ثم تم تنظيمه في الضفة الغربية فترة وجود الحكومة الأردنية. ومع قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية، وزيادة عدد هذه الجمعيات وحجمها، وزيادة نفقاتها وأنشطتها، عملت السلطة على إعادة النظر في القوانين السائدة، وأصدرت القانون رقم 1 لسنة 2000 للعمل على تنظيم أنشطته، ودعت المؤسسات ذات العلاقة للتكيف مع القانون الجديد.

منظمات للنخبة فقط

تدير هذه المنظمات فئات نخبوية من المجتمع الفلسطيني، لتشكل مجالس إدارية، يُفترض انتخابها بصورة دورية من الجمعيات عمومية، لكن هناك مجالات تمارس فيها المنظمات الأهلية الفلسطينية سلوكات فاسدة لا تختلف عن مثيلاتها الرسمية، فيمكن ملاحظة المحسوبية في اختيار العاملين، واستخدام موارد المؤسسة الأهلية لمصالح خاصّة أو لتعزيز النفوذ، واستعمال ممتلكات المؤسسة لخدمة الأشخاصّ المتنفذين فيها، والمحسوبية والواسطة في تحديد مواقع كبار الموظفين ورواتبهم، وفق الانتماءات الحزبية أو الفئوية أو العلاقات الشخصية، وجمع الأموال بطرق غير شفافة للاستيلاء على جزء منها، وغياب الشفافية المالية.

ان عدم قدرة المؤسسات على تحقيق رسالتها التي وجدت من أجلها، وانتشار الفساد فيها خلق حالة من الانشغال بمتابعة قضايا جانبية، وخلق صراعًا غير محبذ بين المؤسسات الأهلية والسلطات الحكومية، اضافة الى عاملين رئيسيين هما :

1- ازدياد عدد المؤسسات الأهلية بشكل ملحوظ كردّ فعل على توافر التمويل، ما تسبب في ازدياد فرص الفساد.
2- ازدياد عدد المؤسسات الأجنبية، والأطراف التمويلية الدولية العامّلة في فلسطين، بعضها يعمل بصورة مباشرة، ضمن اجندات شوشت البيئة المذكورة.

مباديء رئيسية مفقودة او ضعيفة

هناك مجموعة من المبادي التي من المفترض ان تعتمدها (NGOs) ولكنها اما غائبة او ضعيفة، كضرورة اعتماد هيئة رقابة داخلية، والاتصال المنظم والدائم بين الطاقم ومجلس الإدارة والجمهور، واعتماد سياسات توظيف وتقييم شفافة، ووضع سياسات داخلية لمنع تضارب المصالح، واعتماد نظام التقارير الدورية الشفافة بانتظام، وإصدار ونشر ميزانيات بشكل منتظم لكافة إيرادات ومصروفات المؤسسة، اجراء انتخابات دورية لاعضاء مجالس الادارة، وضع سلم الرواتب بناء على الدرجة العلمية والكفاءة والخبرة، وغيرة من مباديء الحكم الصالح.

غياب المشاركة

إن مستوى مشاركة الاعضاء وحضورهم اجتماعات الجمعية العمومية (وهي أعلى سلطة في المؤسسة بحكم القانون) يشير إلى مستوى فاعلية الأعضاء، ومشاركتهم في صنع توجهاتها، والرقابة على أعمالها، وانتخاب قياداتها، هو مؤشر على المشاركة الصحية، الا ان الدراسات الميدانية تبين عزوف الأعضاء عن حضور الاجتماعات التي تنعقد بأقل نصاب قانوني بعد تأجيلها أكثر من مرة، وغالباً ما يقتصر الحضور على أعضاء  مجلس الإدارة والعناصر المرتبطة بها والعاملين بأجر في المؤسسة، لذا تحولت الاجتماعات الى شكليات لا تعكس مشاركة حقيقية للأعضاء.

غياب في دورية التغيير في القيادات

تقاس ديمقراطية أي مؤسسة بمعدلات التغيير في عضوية هيئاتها القيادية لإتاحة الفرصة لتداولها أمام أكبر عدد ممكن من أعضائها للتدريب على القيادة واكتساب خبراتها، وبذلك من المفترض ان تساهم مؤسسات المجتمع المدني في تزويد مختلف مجالات المجتمع بالقيادات الجديدة مما يعزز التطور الديمقراطي للمجتمع بصفة عامة، لكن نتائج الدراسات الميدانية تشير الى جمود النخبة داخل المؤسسة واستمرارها في القيادة لسنوات طويلة وارتفاع متوسط أعمارها (فاق بعضها السبعين) .
وتنفرد نخبة في قيادة المؤسسة بإصدار القرارات، ولا تتوافر بالتالي فرصة واسعة للمشاركة في صنع سياسات المؤسسة وتوجهاتها، وهكذا تصبح مؤسسات المجتمع المدني صورة عما يجري على مستوى السلطة العليا في المجتمع من تركز القرار في يد قلة أو فرد.

ما الداعي لإصلاح القوانين المتعلقة بالمؤسسات الأهلية؟

هل تتمتع الحكومة بسلطات قوية على المؤسسات الأهلية؟ وهل يمكن أن تكون مساعدة أو معوقة لتلك المؤسسات؟

يشير قانون الجمعيات الاهلية الى إتاحة المجال لحصولها على الأموال (عامة كانت أو خاصة أو أجنبية)، وتلزمها برفع التقارير للتدقيق في أنشطتها، لكن من خلال سن القوانين تستطيع الحكومات أن تكبح المؤسسات الأهلية التي تريدها، كما يمكن أن يكون للقوانين واللوائح التنظيمية تأثير كبير على المؤسسات الأهلية نتيجة الإهمال أو التقصير، مثلا إذا كانت صياغة القوانين سيئة أو عندما تطبق بأسلوب متراخ أو تعسفي.
كما يمكن للقوانين القمعية أن تخنق قطاع المؤسسات الأهلية، ولكن إذا كانت القوانين الخاصة بهذه المؤسسات أو أسلوب تطبيقها غير كافيين, قد يشيع سوء السلوك والاستغلال السيئ لها ومن ثم تسوء سمعة قطاع المؤسسات الأهلية كما حصل في الحالة الفلسطينية،" لقد كان لتقاعص المؤسسات الحكومية والوزارات المختصة بمتابعة ورقابة منظمات المجتمع المدني، اثرا كبيرا لانتشار الفساد والتجاوزات المالية والادارية في اداء (NGOs)الفلسطيني".

ولكن من يراقب على اداء الحكومة والمؤسسات الوزارية ؟

لقد صدرت عدة تقارير حول الاستقلال المالي والإداري في المؤسسات العامة الفلسطينية. فحصت العناصر الاساسية ومؤشرات النزاهة والشفافية والمساءلة، وتحديد الفجوات والتحديات التي تواجه هذه المؤسسات .
ومن الممكن تصنيف المؤسسات العامة الى ثلاث فئات: اولاها المؤسسات الوزارية التي تقدم خدمات وهذه المؤسسات تتبع نظام السلطة الحالي؛ والثانية المؤسسات العامة التي لها خصوصية في عملها، واخيرا هناك مؤسسات يجب ان يكون لها استقلال تام ولا سلطة فوقها إلا سلطة القانون مثل: ديوان الرقابة، ولجنة الانتخابات، هيئة مكافحة الفساد، مجلس القضاء الأعلى، وغيرها.

وكانت هناك مطالبات من جهات مختلفة لتحديد مفهوم الاستقلال المالي والإداري للمؤسسات العامة التي نص القانون على استقلالها، ومطالبات بالعمل على أنظمة مالية وإدارية خاصة لهذه المؤسسات، كل حسب تخصص عملها، تصدر عن مجلس الوزراء وتعلن بالجريدة الرسمية، وضرورة أخضاع هذه المؤسسات للرقابة والمساءلة من قبل الجهات الرسمية ذات العلاقة، ومعالجة الإشكالية القانونية الخاصة بمفهوم المؤسسات العامة غير الوزارية، ومنْح الاستقلال المالي والإداري للمؤسسات الرقابية، مثل ديوان الرقابة الإدارية والمالية، هيئة مكافكة الفساد، مجلس القضاء الإعلى.

ديوان الرقابة المراقب

"لناخذ مثالا واحدا من المؤسسات الرقابية الرسمية" تأسس ديوان الرقابة المالية والإدارية تنفيذا لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني ويتمتع الديوان بالشخصية الاعتبارية المستقلة، ويعتبر الجهاز الأعلى للرقابة في فلسطي،  كما سبق واشرنا فمن المفترض ان يقوم الديوان بالرقابة على المال العام لمنع التلاعب والاختلاس، نظم عمله استنادا الى قانون الهيئة رقم 17 لعام 1995 وتحول الى ديوان رقابة وفق قانون رقم 15 لسنة 2004.
لقد تم تعيين رئيس الديوان سمير ابو زنيد من قبل الرئيس محمود عباس عام 2012 ، فحسب المادة (4) من قانون ديوان الرقابة المالي والاداري( يعين رئيس الديوان بقرار من رئيس السلطة الوطنية)، ولرئيس الديوان ان يخدم سبعة اعوام في منصبه محصن.
في 24/10/2013  قال سمير ابو زنيد في مقابلة مع صحيفة الحياة : ان الديوان مستقل، لا رئيس الوزراء ولا وزير المالية ولا أحد يتدخل في عملنا، نحن لا نخضع لابتزاز، نحن أقوياء ومحصنين بدعم الرئيس وهو مرجعيتنا والقانون يزيدنا قوة. وقال ايضا، عام 2012 : حوّلنا نحو 43 ملفا إلى هيئة مكافحة الفساد، وفي عام 2013 حولنا 25 ملفا.
في12/5/2014 أشاد رئيس ديوان الرقابة المالية والإدارية سمير ابو زنيد، بالتطور الحاصل في أداء المؤسسات الحكومية، واضاف: إلى أنه ما زال هناك الكثير من فرص التحسن في عمل العديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية ، مطالباً هذه الوزارات والمؤسسات الأخذ بالتوصيات الصادرة في تقارير الديوان، ودعا الجهات (الخاضعة) لرقابة الديوان إلى الالتزام والامتثال بالقوانين والأنظمة والتعاون مع الديوان من أجل تعزيز النزاهة والشفافية في العمل العام.
بتاريخ 14/5/2014 مجلس الوزراء رفع توصية للرئيس محمود عباس لاحالة رئيس ديوان الرقابة المالية والادارية سمير ابو زنيد الى التقاعد. رغم ان المادة (10) من قانون ديوان رقابة رقم 15 لسنة 2004، تنص على ((1. تكون مدة رئاسة الديوان سبع سنوات لفترة واحدة غير قابلة للتجديد. 2. لا يجوز عزل رئيس الديوان لأي سبب من الأسباب إلا بالأغلبية المطلقة للمجلس التشريعي)).
ولم يعلن رسميا عن الاسباب وراء هذه التوصية من مجلس الوزراء للرئيس باحالة ابو زنيد الى التقاعد، لكن مصادر حينها رجحت ان ازمة نشبت بين ديوان الرقابة والحكومة على خلفية اعداد الديوان "تقارير اشارت الى وجود قصور في عمل عدد من الوزارات واكتشاف حالات فساد فيها".  ما يقودنا الى التساؤل (((نعم (NGOs) تحتاج الى تفعيل الرقابة عليها، وتحتاج لتعديلات في بنود واحكام القانون لضمان زيادة نزاهة ادائها وشفافية عملها، لا لخنقها، ولكن من يراقب على مؤسساتنا الرسمية؟!!!))

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان