آراء حرة

فساد المسؤولين الإسرائيليين

(بقلم: أسعد عبد الرحمن) 

الفساد ظاهرة عالمية، ولطالما مثل تحدياً خطيراً في وجه تنمية الدول، فهو ينخر في قدرة المؤسسات الحكومية على أداء دورها بشكل صحيح. وهو، في أصله «دود» ينهش شرعية الحكومات، ويقوض القيم الديمقراطية للمجتمع حين تباع المناصب الرسمية والمواقف وتشترى.

وفي إطار الإصلاحات لتعميق حربها على الفساد، تنظر العديد من دول العالم إلى مرتكبي الفساد كخطر يهدد الصالح العام. بل إنها تحاكمهم على فسادهم، السياسي أو الاقتصادي أو حتى الأخلاقي. وأميركياً، نتذكر قصص الرئيسين ريتشارد نكسون وبيل كلينتون، وكذلك مساعد وزير الدفاع الأسبق بول وولفوفيتز خلال ترؤسه البنك الدولي. في الدول المتقدمة يكون الجميع في نطاق القانون عندما ينكشف فساده.

وفي إسرائيل، تتسع فضائح الفساد وتعم نطاقات واسعة داخل الحياة السياسية الإسرائيلية، وتطال مسؤولين حكوميين كبار، لن يكون آخرهم رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود اولمرت الذي أُدين مؤخراً وصدر عليه حكم بالسجن 8 أشهر في قضية تلقيه أموالا (رشى) من رجل أعمال (مقابل خدمات سياسية) دون إبلاغ «مراقب الدولة». ومن قبل، صدر بحق رئيس إسرائيل الأسبق موشيه كتساف حكم قضائي آخر بالسجن 7 سنوات، حيث اتهم بالتحرش، ومحاولة اغتصاب عدد من الموظفات العاملات معه. وكذلك فضيحة الفساد التي أصابت «سلطة الضرائب» واعتقال رئيسها جاكي ماتسا، والتحقيق مع 20 مسؤولا فيها بتهم تلقي رشى.. وغير ذلك من حالات «إسرائيلية» عديدة مشابهة. فالفساد في إسرائيل لم يقتصر على الجانب السياسي فقط، بل امتد إلى جيش الاحتلال وأجهزة الأمن وبعض الحاخامات.

ويرى العديد من المحللين والباحثين الإسرائيليين أن أسباب انتشار ظاهرة الفساد في مجتمعهم تعود إلى عدم التجانس والانسجام بين أفراده، نظراً لتعدد البلدان التي قدموا منها، وتباين البيئات التي عاشوا فيها في السابق قبل قدومهم لفلسطين، وعدم قدرة الكثيرين منهم على التكيف والتأقلم مع الحياة الجديدة. مع أن الفساد يستشري بصورة أكبر في الشرائح العليا من المجتمع الإسرائيلي التي تملك السلطة والنفوذ. وفي هذا السياق، كشفت دراسة «للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية»، عن اعتقاد نصف الإسرائيليين بأن الفساد متفش في الدولة العبرية. أما النائب الإسرائيلي العام (شاي نيتسان) فيرى «أن مكافحة الفساد تتم أساساً بتعديل التشريعات وبالتربية». ويضيف: «وتبقى التربية الوسيلة الأهم. فكل مجتمع جدي يهدف لمكافحة وباء الفساد عليه أن يلفظ كلَّ من يُدانُ به، وذلك بخلاف الواقع الحالي في إسرائيل، حيث يبقى المدانون بالفساد نجوماً في التلفزيون والمحافل العامة. وعلينا تغيير هذا الواقع لأن الرسالة الاجتماعية التربوية هنا في غاية الأهمية».

وبالمقابل، يوضح المحامي الإسرائيلي البارز (يحيئيل جوتمان) أن «الإعلام يبالغ في تصوير الفساد كظاهرة متفشية جداً في إسرائيل»، لافتاً إلى أن «فضحها وملاحقة المتورطين فيها عملية تنطوي على وجه إيجابي منير. ولطالما كان الفساد قائماً، لكن الكشف الإعلامي له اليوم قد زاد». وفي ذات السياق، يقول المحامي «دان إلداد»، مدير القسم الاقتصادي في مكتب النائب العام المختص بالفساد السياسي والجريمة الاقتصادية: «إنني فخور بكوني مواطناً في دولة إسرائيل، التي كل من فيها، بمن فيهم رئيس الحكومة، سواسية أمام القانون، دولة يوجد بها قضاة مهنيون، ويقومون بكل ما يتطلب الأمر عندما تظهر حقائق جديدة تبُين لهم أنهم قد أخطأوا في السابق».

وفي المحصلة، فإن إسرائيل واحدة من الدول النادرة في العالم التي تحاكم رؤساءها ورؤساء حكوماتها ووزراءها وكل من يقترف خطأ في الحق العام. صحيح أن هذا الحال يكشف وجود فساد كبير في الدولة الصهيونية، لكنه في الوقت نفسه يثبت وجود آليات ومساع لمحاربة الفساد. وفي الأخبار، أن خطة جديدة لمواجهة الفساد المتفشي في إسرائيل قد بدأت منذ بداية العام الحالي، حيث يبحث طاقم من مسؤولي وزارة القضاء الإسرائيلية، مع بعض أكاديميين وقادة الشرطة، عن وسائل جديدة لمكافحة ظاهرة الفساد، تشمل تغييرات وإجراءات عديدة. وبالعودة إلى النائب العام «نيتسان» فإن «الطاقم المذكور يتطلع لتجفيف المستنقع الآسن بدلا من ملاحقة البعوض الفاسد»، لافتاً إلى أن ذلك يتطلب «تغييرات بنيوية تساهم في إفهام الجمهور حقيقة أن الفساد في الحكم المحلي ينطوي على كارثة».

وبعد أن قيل ما قيل، وبعد اعتمادنا، ها هنا، قاعدة «إعرف عدوك»؛ هل نبادر إلى التعلم من أخطاء وميزات ذلك العدو، على حد سواء، كي يكون بمقدورنا الانتقال إلى مرحلة
«واجه عدوك»؟

 

* المصدر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان