آراء حرة

الصحافي الفلسطيني ما بين حرية التعبير والتحريض

الصحافي الفلسطيني  ما بين حرية التعبير والتحريض

بقلم: فضل سليمان

من اجل النجاح في التقليل من فرص الفساد لا بد ان تستعيد السلطة الرابعة ( الاعلام ) دوره الرقابي والمساءل، ولا بد ان يستعيد الصحفيون دورهم في التنقيب عن الفساد وكشف الحقائق امام الجمهور، لكن ذلك لا يروق بعض المتنفذين لذا يتم ملاحقة الصحفيات والصحفيين بتهم مختلفة.
ما هي حرية التعبير؟ هل يسمح التعبير عن كل رأي وكل موقف؟ هل هناك مواقف لا نقبل بأن تُسمع على الملأ ؟ ومتى يكون تقييد حرية التعبير تعسفيا؟ ومتى يكون التعبير تحريضا يجب وقفه؟
" يحق لكل إنسان أن يعبر عن رأيه ومواقفه دون أن تفرض عليه قيود تعسفية " ولكن ماذا عن السلم الاهلي ؟ وماذا عن الدعوة للاقتتال الداخلي مثلا؟
تَحْريض :مصدر" حَرَّضَ" اتُهمَ بِتَحْرِيضِ النَّاسِ عَلَى الشَّغَبِ : دَفْعُهُمْ لإِثَارَةِ الشَّغَبِ،حرَّضَ يُحرِّض ، تَحْريضًا ، فهو مُحرِّض ، والمفعول مُحرَّض ، حرَّضه على الأمر : حضَّه ، شدّد الرّغبةَ فيه، محرِّض : يعمل على إثارة العنف والهيجان داخل جماعة (والتحريض في القانون ) دفعه على ارتكاب المحظور من الأعمال :- حرَّضه على السَّرقة ، - حرَّض المعلمين على الإضراب بالرغم من صدور قرار بمنعه .

ما بين حرية التعبير والتحريض

لا خلاف ان الحرية قد منيت في عهود كثيرة بصنوف من الكبت لا حد لها، و كان شر ما بلي به الافراد هو ما اصابهم من الامعان في كبت الرأي، ولم يتمتع الانسان العاقل المفكر قط في أي فترة من تاريخ البشرية بالحرية الكاملة في الجهر بكل ما يدور بخلده من افكار دون ان يكون هدفا للأذى و العدوان، فتاريخ حرية التعبير عن الرأي ليس إلا تاريخا للانسانية على اختلاف عصورها كان دائما الهدف الذي يبذل من اجله الجهد العظيم.

حرية التعبير عن الرأي في العصور القديمة

لقد صاغ اليونانيون (الاغريق) قديما نظرية كاملة للحرية ما زالت تتردد في بقاع الارض حتى الآن بفضل فلاسفة مثل افلاطون و ارسطو.  " ان على كل انسان ان يبذل ما استطاع من جهد و اهتمام بالحياة العامة لوطنه و ألا ينكب فقط على مجرد حياته الخاصة, و ضرورة المشاركة في السياسة, فالناس سواء لا امتياز بينهم، والمناقشة هي الاداة الفعالة لتفهم المشاكل العامة و الاسهام بدور في الحياة العامة وفي النظام السياسي".

كذلك فقد وضع سقراط نظاما لحرية التعبير جعل منه حقا يعلو على حق الحياة ، ثم صاغ أفلاطون أفكار معلمه في شكل دستور لمدينة فاضلة تقوم على اساس العقل المفكر الحكيم، وكان اوضح  أرسطو في كتابه ”السياسة“ ان المشاركة لا تتحقق إلا بحرية التعبير و القول حتى يمكن للمواطن صياغة فكره للاسهام في حكم المدينة.

كما تميزت العصور الوسطى بشدة الصراع بين الامبراطور و الكنيسة حول اختصاصات كل منهما فالإمبراطور كان يجمع بين يديه الامتيازات و الاحتكارات التي تمكنه من الاستيلاء على الاملاك، والكنيسة كانت تحتكر الاشراف على سلوك البشر الديني و الدنيوي و كانت تفرض سلطتها عن طريق محاكمها الخاصة مع انتشار الكهنوت في كل مكان، كانت كلتا السلطتين في وصايتهما على شئون الافراد تستند الى الحق الإلهي بحكم تمثيلهما المباشر لله و معصومية رئيس كل من السلطتين من الاخطاء و الخطايا.

حرية التعبير في العصور الحديثة

تواصلت حركة الاصلاح الديني بهدف التحرر من الكنيسة و قدمت كتابات كبار المفكرين و الكتاب الغربين امثال (توماس هوبس,ميلتون, جون استيورات ميل,) الاساس الفكري للحقوق و الحريات التي عجلت بالثورات في بريطانيا و امريكا و فرنسا خلال الفترة من سنة 1776 الى سنة 1848
فقد اعلن فيلسوف القرن السابع عشر جون ميلتون:( ان الحرية هي ان تعرف و ان تقول ما تحس بلا قيود وفقا لما تحس و تعتقد ) وقال: اذا آمن كل البشر برأي و جاء فرد واحد برأي مخالف, ثم حاولت البشرية جمعاء ان تسكت هذا الرأي، فخطؤها لا يقل عن خطأ الفرد الذي يحاول اسقاط رأي البشرية.

ان المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تشير الى ان ((لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية. ))

مبررات حرية التعبير

ان الفرضية الأساسية في الديمقراطية هي أن الناس قادرون على اختيار الرأي الذي يؤمنون بصحته من بين مجموعة آراء. وحرية التعبير هي أداة لاكتشاف الحقيقة، المس بحرية التعبير يمنعنا من تغيير موقف خاطئ بموقف أكثر صحة منه. ومن اجل منع ظلم السلطة فلا تملك السلطة دائما الحقيقة، والمس بحرية التعبير قد يمنع انتقادات ضرورية تجاه النظام. ومن اجل تحقيق الذات لان كم الأفواه يشكل مسا خطيرا بكرامة الإنسان وحريته.  لككنا دائما نصل الى مراحل حرجة في التعاطي مع هذه المفاهيم، مثلا : هل ”عندما تدوي المدافع.....“ يجب تقييد حرية التعبير؟

التعبير التحريضي

شخص بالغ، له رأيه المستقل يرتكب جريمة ثم يدّعي أنه تأثر من أقوال الآخرين. هل يمكن اتهام الناس الذين ”تكلموا فقط“؟
هل من الممكن أن تؤدي الكلمات إلى المَسِ جسديا بالآخرين؟ وهل جملة ”الوقاية من التحريض“ هي حجة لكم الأفواه؟
التحريض هو التعبير الذي هدفه إقناع جمهور من الناس بارتكاب جريمة. والرسالة المحرضة هي الرسالة التي تحمل مفردات تصف شخصا او مجموعة او مؤسسة او جهة ما باوصاف تثير الكراهية لدى المستمع/ين اوالحقد او الغضب او الرغبة بالانتقام او الثار.

في قانون العقوبات الاردني( 60 )النافذ في الاراضي الفلسطينية المادة (80) منه تقول "يعد محرضا من حمل أو حاول أن يحمل شخصا آخر على ارتكاب جريمة بإعطائه نقودا أو بتقديم هدية له أو بالتأثير عليه بالتهديد أو بالحيلة والخديعة أو بصرف النقود أو بإساءة الاستعمال في حكم الوظيفة".  و "يعد متدخلا في جناية أو جنحة ، من ساعد على وقوع جريمة بإرشاداته الخادمة لوقوعها".

والمادة (81) تنص، "يعاقب المحرض بالأشغال الشاقة من خمس عشرة سنة إلى عشرين سنة إذا كانت عقوبة الفاعل الإعدام، وفي الحالات الأخرى، يعاقب المحرض والمتدخل بعقوبة الفاعل بعد أن تخفض مدتها من السدس إلى الثلث. وإذا لم يفض التحريض على ارتكاب جناية أو جنحة إلى نتيجة خفضت العقوبة المبينة في الفقرتين السابقتين من هذه المادة إلى ثلثها."

ويستند بعض المسؤولين في ملاحقتهم للصحافيين الى المواد (من المادة 188 ولغاية المادة 199) من قانون العقوبات، والتي تتحدث عن الذم والقدح والتحقير واطالة اللسان، من اجل التضييق على قدرة الصحفيين على تناول امور الشان العام والمؤثرين في قراراته، رغم ان اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد التي وقعت فلسطين عليها والتزمت بها تنص في احد بنودها على تدابير مثل:

تعزيز الشفافية فى عمليات اتخاذ القرار وتشجيع إسهام الناس فيه.وضمان تيسر حصول الناس فعلياً على المعلومات.القيام بأنشطة إعلامية تسهم فى عدم التسامح مع الفساد.
ان التحدي هو الحفاظ على حرية التعبير في أوضاع مختلفة، مع الاحساس العالي بالمسؤولية تجاه السلم الاهلي.

في أحدث استطلاع للرأي نشره المركز الفلسطيني لاستطلاع  الراي نفذ في الضفة الغربية، القدس الشرقية وقطاع غزة، حول الإعلام في الأراضي الفلسطينية، جاء فيه أن الإعلام يلعب دوراً مهماً في الحياة السياسية الوطنيه، وأن نسبة 71% من الجمهور الفلسطيني تؤيد حماية الصحفيين عند قيامهم بواجبهم الميداني، وأن 60% تعتقد أن هناك علاقة بين وسائل الاعلام الحرة والمستقلة والديمقراطية.
مقابل ذلك رصد مركز مدى عام 2014 ما مجموعه 114 انتهاكا فلسطينيا ضد الحريات الاعلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة وإن نحو 60% منها وقعت في قطاع غزة، ونحو 40% في الضفة الغربية.

هذه الانتهاكات تظهر أن القسم الأكبر منها جاء في سياق محاولات منع تغطية بعض الأحداث أو الفعاليات التي لا تروق لبعض الجهات الفلسطينية، أو للضغط على الصحفيات والصحفيين وتخويفهم للامتناع عن ذلك، من خلال المنع المباشر حينا والتهديد أو الاستدعاء أو الاحتجاز ومصادرة بعض المعدات حينا آخر، وذلك إلى جانب تنفيذ بعض الاعتداءات الجسدية الهادفة لمنع القيام بتغطية أحداث أو أنشطة معينة'.

رغم ان (المادة ( 19) من القانون الاساسي الفلسطيني تؤكد على انه لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون. والمادة ( 27 )  فتنص على ان حرية وسائل الإعلام ......، وحرية العاملين فيها، مكفولة وفقًا لهذا القانون الأساسي والقوانين ذات العلاقة. وتحظر الرقابة على وسائل الإعلام، ولا يجوز ...... فرض قيود عليها إلا وفقًا للقانون وبموجب حكم قضائي.

سؤال:

هل تستطيع نقابة الصحفيين بالتعاون مع المؤسسات العاملة بالشان الاعلامي الوصول الى تحديد دقيق ( اخلاقي وقانوني) مكتوب للتفريق بين مفهومي حرية التعبير والتحريض؟. وهل ستستطيع ان تلزم به الاجهزة التنفيذية من جهة والصحفيين في الجهة المقابلة ؟

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان