آراء حرة

التربية على النزاهة لاستئناف التنوير

التربية على النزاهة لاستئناف التنوير

بقلم : تحسين يقين

"تحسن في المنظومة الوطنية للنزاهة لبعض المؤسسات الحكومية وغير الحكومية..."


من نتائج تقرير أمان-2014.

هل من علاقة؟

كنا مستغرقين في البحث عن فرص الحداثة والتنوير والنهوض في فلسطين الحاضر والمستقبل، حين ذكرنا أن وجود إدارة وحكم جيدين سيساهم في استئنافنا لنهضتنا التي بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر.
في سياق استعراض تاريخ الفكر الاجتماعي والتربوي والسياسي، كانت النكبة عام 1948، الضربة التي أصابت التحديث الفلسطيني في مقتل، لولا بقية من روح هنا وهناك ظلت وفية لما بدأناه فلسطينيا وعربيا؛ كيف كان الممكن متابعة النهوض في ظل تعرض الشعب للتهجير، حيث يصعب عمل إبداع جمعي للاجئين خارج أوطانهم؟
بعد نكبة عام 1948، ونكسة عام 1967، هناك محطتان مهمتان في التاريخ الفلسطيني المعاصر، الأولى هي الوجود الفلسطيني في لبنان، والثانية بناء السلطة الوطنية في فلسطين.

في بيروت، والتي هي مركز عربي نهضوي تاريخي أصلا ، كانت هناك محاولة لبناء فلسطين ثقافيا وتنويريا بوجود منظمة التحرير، استئنافا للتنوير الذي كان سائدا قبل عام 1947، حيث بدأ الفلسطينيون يبدعون أدبيا وفنيا فيها كمركز مؤقت للثقافة الفلسطينية، في ظل وجود المنظمة وطنا معنويا-رمزيا للفلسطينيين، ومن أهم الإنجازات الحفاظ على الهوية.

أما في فلسطين، عام 1994، فجرت وما زالت بناء الوطن بناء عصريا، أي استئنافا للبناء التحديثي الذي ساد قبل عام 1948، من خلال هامش الوجود الكياني السياسي، في مرحلة فترة مرحلية، واكبتها تحولات ثقافية واجتماعية.
في بيروت كانت الثقافة، في ظل حركة التحرر، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة كان البناء في ظل التقدم لإنجاز الدولة.
-       كأنك ابتعدت عن العنوان؟
-       بل اقتربنا، ولعلك تنتظر قليلا وتفكّر معي!
-       .................؟
-       لما كان المهم الآن هو إنجاز البناء وتحقيق الدولة، فإننا بحاجة لما يدعما وييسّر طريقنا نحو تحقيق الهدف، وتخفيف المعيقات أمامنا.

معلوم أن هناك معيقات موضوعية خارجة عن سيطرتنا، فالعائق الأكبر هو الاحتلال، وهو نفسه الذي ضرب نهضتنا قبل 67 عاما، أما المعيقات الداخلية، والتي يمكن السيطرة عليها، فمن غير اللائق لمجتمع يخوض عملية تحرر أن تبقى.

ولعل الإدارة والحكم مفتاحا تحقيق الأهداف. وإذا كانت كذلك، فإن تربية الأجيال وبالتالي المجتمع، هي التي ستضمن استراتيجيا التحقق والتجلي.
-       اقتربت من الموضوع.
-       ربما!

لذلك فإننا ننظر لجهود مؤسسات العمل الديمقراطي، ومنها مؤسسة الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة – أمان، ونقرأ "نتائج تقرير واقع النزاهة ومكافحة الفساد للعام 2014"، من هذا المنظور والمنظار معا.

ولعلنا ننظر متفائلين وفرحين لما شهده العام المنصرم من "تحسن في المنظومة الوطنية للنزاهة لبعض المؤسسات الحكومية وغير الحكومية (الإعلام والقطاع الخاص)، بفعل جهود مكافحة الفساد؛ حيث تحسّنت ثقة المواطنين بالإجراءات التي تمّت، لا سيّما المتعلقة برفع الوعي العام بأسباب الفساد وأشكاله، وطرق مكافحته"

ومما أسعد المواطنين بشكل خاص، هو التقييم الإيجابي لوزارة التربية والتعليم العالي، كونها مؤسسة تربية وتغيير، حيث من الطبيعي أن تكون قدوة حسنة للتربويين والمواطنين، وللأطفال كونهم المستهدفين من وجودها أصلا.

لذلك تصبح جهود الوزارة من خلال التربية المدنية، في التربية على المواطنة متكاملة مع الإدارة التربوية ومنسجمة معها.

وأستذكر في هذا المجال حديث الأخ د.محمد أبو زيد وكيل الوزارة أمام المجتمع المحلي والتربوي في أكثر من لقاء شهدته أو تابعته إعلاميا حول المساءلة والشفافية، بل كان مباشرا وصريحا حين طالب المجتمع بمساءلة وزارة التربية والتعليم، كون التعليم مسؤولية الجميع، فكان الاستماع لآراء المجتمع ونقده التربوي مدخلا لحراك فكري في الوزارة، فشهدنا انفتاحا في العلاقة مع المجتمع، خصوصا على مستوى المدارس والمجتمع المحلي، وكان من ثمار تلك العلاقة الشفافية في تعيين المعلمين والمعلمات، والذي بدوره سيكون له دور في تحسين نوعية التعليم.

أسلوب الإدارة التربوية يتفق مع ما ذهب إليه رئيس الوزراء د. رامي الحمد الله، في كلمته الجدية في "حوكمة المؤسسات، ومكافحة الفساد واجتثاثه، والمضي في تعزيز قيم النزاهة والشفافية، وانفتاح الحكومة على الجهات الرقابية المختلفة، وضرورة أن تبقى المؤسسات الحكومية، الوزارية وغير الوزارية، مفتوحة للمساءلة والرقابة.."

والهدف وفقا له: هو تكريس ثقافة وقيم الشفافية!

أي ثقافة وسلوك حكومي، يقود إلى تعزيز فرص الشفافية، فإذا كانت الحكومة قدوة طيبة، بوجود وعي المواطنين على الحقوق والواجبات، فمعنى ذلك هو النتاج الطيّب.
إذن فإن الحكومة المتنورة هي إدارة وحكم رشيد، تتبع منهج الشفافية والمساءلة، وتتناقض مع "السلطة المطلقة التي هي مفسدة مطلقة"، والتي كانت شعار هذا العام.
-       اقتربت أكثر!
-       المهم أن نقترب معا.
عودا على بدء، بزيادة استلزام الإدارة والحكم الرشيد، ليس في عمل الحكومة فقط، بل في إدارة المجتمع الذي يمرّ في مرحلة تحرر وطني من جهة، ومرحلة التحولات من جهة أخرى.
فلعل التربويين يقبلون على سلوك القدوة الحسنة في غرق الصف وساحات المدارس، وفي العلاقات الداخلية.
ولعل الأطفال، والفتيان، والشباب والشابات، إذ يسمعون ويشاهدون، يكتسبون هذه الثقافة الأخلاقية والقانونية والإنسانية، حتى نستمر في البناء، ونضمن عدم الانشغال بالمعيقات.
-       متى يبلغ البنيان يوماً تمامه  إذا كنت تَبنيه وغيرك يَهدم؟
-       لأجل ذلك نحتاج لتكريس ثقافة وقيم الشفافية المتجلية تربويا في الدرجة الأولى.
-       .................؟
-       نعم أتفاءل، لا بدّ أن نكون كذلك، ونحن نمضي نحو التحرر والبناء.
لعل هذه المرحلة الراهنة، من خلال انضمام وتفاعل الكلّ الفلسطيني المعرفي والفكري والإداري والخدماتي، تمدنا بأسباب استئناف نمونا ونهضتنا، فما زال العامل الذاتي هو الأقوى في تحقيق التنمية والنهوض.
-       .............؟
-       تفاءل وامض.
نكون بورودنا، وترابنا، وأوراقنا، بتفاؤلنا، بزرعنا وحصادنا، بقليل من الحب، وكثير من الاحترام، والجدية، نكون كما ينبغي لنا أن نفعل، وهو فعل رائع يمكن أن نجد في نهاية الدرب ما نفخر به.
[email protected]

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان