آراء حرة

"حماقة" الفساد الفكري

"حماقة" الفساد الفكري

بقلم: محمود زاهر

أصعب ما قد تواجهه أيُّ دولة، وجود منظومة فساد، متغلغلة في مؤسساتها وبنيتها وتركيبتها البشرية، ولذلك يُصَنَّف الفساد على أنه أكبر آفة على طريق التقدم، وأصعب عقبة تواجه تحقيق خطط التنمية.

هناك أنواع عدة للفساد، لا يخلو منها أي مجتمع، وفي مقدمتها الفساد السياسي، وهو إساءة استخدام السلطة من قبل النُّخب الحاكمة، لأهداف غير مشروعة كالرشوة والابتزاز والمحسوبية أو الاختلاس، ثم الفساد المالي المتمثل في مجمل الانحرافات المالية ومخالفة قواعد وأحكام تنظيم سير العمل المالي في الدولة ومؤسساتها، أضف إلى ذلك الفساد الإداري، الذي يتعلق بمختلف أشكال الانحراف الوظيفي أو التنظيمي، أو تلك المخالفات التي تصدر عن الموظف العام خلال تأديته لمهام وظيفته الرسمية، ضمن منظومة التشريعات، والقوانين، والضوابط، ومنظومة القيم الفردية.

أما الجوانب الأخرى من الفساد، فالقائمة تطول لتشمل “الأخلاقي والاجتماعي”.. وغيرهما، ولكننا نعتقد أن أشد أنواع الفساد خطورة على الأمن القومي والإنساني؛ هو الفساد الفكري؛ بما يحمله من “تغييب” للوعي، و”غسيل” للأدمغة، و”دغدغة” للمشاعر، و”اللعب” على “أوتار” التعصب، وتأجيج الكراهية؛ والذي إن أصاب أي مجتمع، فنتائجه تكون كارثية، لأنه يشبه الورم السرطاني الذي ينتشر في الجسم، وينخر في أجهزته الحيوية، وبعد أن يتمكن من الانتشار، تصعب السيطرة عليه، ولا يجدي معه أي دواء.

إن التاريخ، لم يعرف في مجمله، دعوة أو فكرة ـ بصرف النظر عن صحتها أوخطئها ـ أمكن القضاء عليها بالحديد والنار أو بالقوة؛ والشواهد الدَّالة على ذلك كثيرة؛  فالعنف لا يزيد “أصحاب الدعوات” إلا تمسكًا بها.. والحقيقة أن إخفاق أي فكرة ينبع في الأساس من فشلها في التطبيق على أرض الواقع، وعدم قدرتها على مراجعة نفسها وتطويرها وتصحيح مسارها.. وقد عانينا وما زالنا نعاني من ظاهرة خطيرة، انتشرت جغرافيًا واجتماعيًا وسلوكيًا، في آثارها السلبية على الأمن والاستقرار وجهود التنمية “المتواضعة”، فلم تنجُ منها طبقة مجتمعية، ولم تسلم منها أي مؤسسة.. هذه الظاهرة هي ما يُطلق عليها “الفساد الفكري”.

إننا نعتقد، أن “الفساد الفكري”؛ حماقة كبرى؛ ما زالت تتوسع وتنخر بآمال وجهود التنمية المنشودة، وهذه الظاهرة وإن تعاظم انتشارها، وتفاقمت آثارها السلبية، إلا أننا نستطيع التأكيد بأن عامة الناس ليسوا بمنأى عنها.. وأن المتورطين فيها؛ بالرغم من اتِّساعها وانتشارها؛ ما هم إلا فئة قليلة من “أدعياء الفكر” و”فلاسفة التنظير” و”أقزام الثقافة”، الذين شوهوا معالم “الخريطة الفكرية”.. لكن تأثيرهم يبقى أشد وأنكى.

ولعل وجود فاسد فكريّ واحد؛ “يدَّعي انتسابه لنخبة الفكر وأهل الرأي”؛ يتطلَّب فريقاً إصلاحيًّا كاملًا، لتجاوز تأثيره السلبيِّ على المجتمع، والآثار المترتبة على “تخريب العقول المتعمَّد”، و”تضليل” المفاهيم، و”تسفيه” الأفكار.. وبالتالي فإن هذه الفئة القليلة عددًا، من هؤلاء “الفاسدين والمفسدِين” فكريًا، نسبة إلى جموع الناس، تعد كبيرة، نظرًا لتأثيرهم الواضح عليهم، من خلال تعاطف المخدوعين بهم والمموِّلين لهم، أو بصمت الغافلين عنهم، انشغالاً بشؤونهم الحياتيَّة، أم لعدم قدرتهم على اكتشاف أولئك، لطيبةٍ نشأوا عليها، أو لحسن النوايا “المدفوع مقدمًا”.

ولكي تحمي الدولة إنجازاتها، وما حققته على خطى الأمن، والاستقرار، يجب أن تقوم بدورها تجاه أبنائها ومواطنيها، وكل فئات الشعب ومكوناته، لحماية المجتمع من الغلو والتطرف والتشدد في الأفكار وانحراف الأيديولوجيات، ولذلك نعتقد بأهمية وجود هيئة “علمية ثقافية” مستقلة، للحفاظ على “الأمن الفكري”، لتشكِّل خطَّ الدفاع الأول أمام هذه الظاهرة؛ والحدِّ من انتشارها.. لأننا لو تركنا المجال مفتوحًا ومتاحًا لأمثال هؤلاء الذين يخربون العقول ويسممون الأفكار، لن تكون النتائج في صالح الجميع.

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان