آراء حرة

المزيد من الجرأة يا هيئة مكافحة الفساد

المزيد من الجرأة يا هيئة مكافحة الفساد

بقلم : فضل سليمان

على مدى يومين ناقش صحفيون وممثلوا منظمات المجتمع المدني وقضاة فلسطينيون بتنظيم من هيئة مكافحة الفساد وشبكة امين، ناقشوا الوجع الفلسطيني الابرز بعد الاحتلال ، حيث كانت معضلة الفساد واليات التعامل معه اعلاميا، هو الحاضر بقوة في قاعة المنتجع السياحي في مدينة اريحا.

وبعد الاجراءات المتعارف عليها بالافتتاح والترحيب بالحضور وبعد تلطيف الاجواء وكسر الحواجز بفعل كلمات الاستاذ رفيق النتشة رئيس هيئة مكافحة الفساد الذي تم تعيينه من قبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ، وهو الضامن لبقائه لاربع سنوات اخرى في المنصب دون اي تهديد بالاقصاء من قبل اي جهة، الا اذا اجتمع الاخوين الفلسطينيين (فتح وحماس) واعيدت اللحمة لبرلمان فلسطين.

نتمنى للسيد رفيق النتشة الصحة وطول العمر ولا اظن ان احدا يحسده على هذا الحمل الثقيل في ظل اجواء فلسطينية اكثر ما يميزها غياب الثقة والمواطنة، وغياب الرؤية الفلسطينية المشتركة، فرغم استمرار وتكرار قول ابو شاكر ان الرئيس محمود عباس اعطاه الثقة والصلاحيات الا ان قوى الفساد المنظمة تستطيع وضع الحجارة في الطريق تاتي بالف وسيلة ووسيلة، ووسط تردد الاعلام الفلسطيني في دعم جهود الهيئة وتبني قضايا الفساد، وتردد الصحفيين الفلسطينيين في انتهاج وترويج ثقافة المساءلة والصحافة الاستقصائية.
ويبرر الصحفيون الفلسطينيون ترددهم (كما وضح في اللقاء) غياب الحماية القانونية والامنية، واستمرار حالات ملاحقة بعضهم وتهديد اخرين، وسجن البعض ايضا.

نقاشات وتحليل استمر يومين بين الإعلاميين والمسؤولين والمحامين والقضاة بحثوا في التحديات التي تحول دون تغطية فاعلة لقضايا الفساد، وفحص المعيقات التي تحول دون هذه التغطية، تحت عنوان ( دور الاعلام في مكافحة الفساد)
ان مكافحة الفساد تحتاج الى اعمدة ثلاثة رئيسية، اولها قيم النزاهة والاستقامة، وهذا يتاتى من خلال التربية والتنشاة والتعليم، والثاني الشفافية والوضوح ، ونشر المعلومات المتعلقة بالمؤسسة التي تدير شانا عاما للعامة( فالشان العام شان العامة) وثالث الاعمدة هو المسؤولية والمساءلة، وهذا الاخير اضافة لثاني الاعمدة المتعلق بالشفافية، مرتبطان بالمعلومات والحق في الوصول لها والمطالبة بها وتداولها وحرية نشرها.

وهنا ياتي دور الاعلاميين والصحفيين ووسائلهم، فالمتوقع منهم كثير، ومسؤوليتهم في تشكيل الراي العام كبيرة، ومحاولاتهم في البحث والاستقصاء وبذل الجهد للوصول للحقائق والبيانات مطلوبة، الا ان واقعنا فلسطينيا ليس كذلك .
الصحفيون الفلسطينيون هاجموا المؤسسات الرسمية والاهلية، وطالبوا بالمزيد من الافراج عن المعلومات وهذا حقهم، لكن الحق بالمعرفة لم يشرع بعد ولم يتحول لقانون يحمي مطالباتهم ويقويها، ونشير هنا الى ان المؤتمر اوصى بضرورة تمكين الصحفي من التوجه للمحكمة للمطالبة برفع الحظر عن سرية المعلومات التي يريد، وقيل ان أساس المشكلة يكمن في كيفية توفير الحماية للصحفي وتوفير المعلومات المطلوبة له، وفي المقابل تسليحه بمعلومات كافية حول التعامل مع قضايا الفساد وتعاطي المحاكم معها.

يفتقد العديد من صحفيينا وصحافياتنا للمهارات الفعلية في الاستقصاء والتحقق والتوثيق، كما يفتقر بعضهم للوعي القانوني وحدود المسؤولية الادبية والقانونية في تناولهم للقضايا المختلفة رغم ترداد جملة في المؤتمر "ان حدود الصحفي هي السماء "، لكن واقعهم الفعلي يقول ان حدود الصحفي هو خوفه ورقابته الذاتية ولقمة عيشه ، وفوضى التعسف في استخدام القوانين والتي على راسها قانون العقوبات الاردني.

ورغم مزاحمة وسائل الاعلام الاجتماعي لوسائل التقليدي منه ، واخذه مواقع متقدمة في الوصول للراي العام ، ورغم ما تاكده كافة الارقام بجدوى النشر الالكتروني ، الا ان استثمار مثل هذه الفرص من قبل الاعلاميين والصحفيين الفلسطينيين لازالت في بداياتها ، ولا زال التخوف هو سيد الموقف، لا سيما ان تباليغ مطالبات الاجهزة الامنية تطول البعض على خلفيات مختلفة ، ونشير هنا الى ان تدخل وملاحقة الاجهزة الامنية هي اعمال فردية وليست مستندة الى سياسات مقصودة ، على الاقل هذا ما تاكده مصادر وزارة الداخلية الفلسطينية . ونشير هنا ايضا الى ان هنالك العديد من الصحفيين الذين يلجاون الى الاثارة من خلال عناوين او جمل تفتقد للحجج القوية وللاسناد القانوني و دون الأخذ بعين الاعتبار احترام خصوصيات الافراد أثناء تغطيتهم لقضايا حساسة مثل الفساد.

ان المؤسسات العاملة في مجال مكافحة الفسد كهيئة مكافحة الفساد والائتلاف من اجل النزاهة والمساءلة امان، عرضت وتعرض وتكرر عرضها لتشكل حماية ورافعة قانونية للحريات الاعلامية والتناول الجريء لقضايا الفساد وللمعلومات المتاحة بل والمطالبة الجريئة لفتح الخزائن والادراج للوصول الى ملفات ادارة المال العام، وتشكيل قوى ضغط من اجل تعرية من لا يستجيب لتلك المطالبات، لكن هذه المؤسسات تضع شرطا لذلك وهو ان يلتزم الصحفي والاعلامي والناشر بالحدود المهنية والنزاهة وعدم النشر الا اذا كان ممتلكا الحقائق والوثائق الدامغة والبيانات والحجج الموثوقة.

ان هيئة مكافحة الفساد هي احوج ما يكون الان لكافة الجهود الاعلامية وغير الاعلامية من اجل ترسيخ ثقة المواطنين بعملها واهميته وقدرته على احداق التغيير، اضافة الى استعادة ثقة المواطن وايمانه بسيادة القانون والعدالة والمساواة ، وتحديدا هنا قانون مكافحة الفساد، ومن اجل التفريق ما بين الانطباعات العامة حول ظاهرة الفساد ونسبة تفشيها وبين الحقيقة بوجود فساد كما هو حال الدول كافة، وبحاجة لعمل وجهود كافة الجهات لا سيما اهتمام المواطن والموظف بالابلاغ، وتطمينه بالحماية، وايضا ايمان الصحفي بتغيير توجهات الراي العام بشان امكانية الحد من ظواهر الفساد، وقدرته على التوعية بمفاهيم النزاهة والشفافية والمساءلة.

ولم يتردد ولا يتردد رئيس هيئة مكافحة الفساد رفيق النتشة في الاشارة في اطلالاته الى اهمية التعاون مع الصحفيين بالنسبة للهيئة، وأن مزيدا من الجهد والمشاركة الاجتماعية من أهم الوسائل لإيجاد تفاعل مجتمعي لفهم عمل الهيئة والتصدي للفساد.

لكنها رسالة يجب ان يتم ايصالها للسيد النتشة ، مفادها ان الامر يحتاج منك للمزيد من الجراة والشجاعة في الافراج عن المعلومات للصحفيين، لم يعد امر التردد في الايمان بقوة الاعلامي والمواطن واللعب بتوازن على معادلات القوة ممكنا، وبالنهاية تكمن هنا شرعية القيادي، تميزت مسيرتك يا ابا شاكر بقولك كلمة الحق بجراة، فاكمل مسيرتك، ولا يضرنك لو قمت بايذاء بعض الفاسدين احيانا، فاكشف اوراقهم، واسماءهم، وانت ونحن نعرف ان هناك ثغرات قانونية تستطيع استثمارها من اجل تعزيز ثقة الاعلامينين بك اولا ، ومن ثم طمانة المواطنين ان هذه هيئة مكافحة الفساد هي لهم وفي صفهم وتدافع عن حقوقهم وكراماتهم.

نشدد على حاجة الإعلاميين، فضلا عن الحماية، إلى معلومات حول القضايا المنظورة في الهيئة، وضرورة تمكينهم من التوجه للمحكمة للمطالبة برفع الحظر على سرية معلومات معينة، وأن تتخذ نقابة الصحفيين الإجراءات القانونية الملزمة لتفسير نصوص قانونية تتعلق بسرية التحقيقات ونتائجها.
فضل سليمان

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان