آراء حرة

حُرِيّةُ الْصَّحَافَةِ وَقَوارِصُ الْكَلِمِ ... ورُؤسَاءُ الْتَحْريرِ

حُرِيّةُ الْصَّحَافَةِ وَقَوارِصُ الْكَلِمِ ... ورُؤسَاءُ الْتَحْريرِ

(1) احتفال والتخوف في اليوم العالمي لحرية الصحافة
احتفل الصحفيون والإعلاميون الفلسطينيون، خلال اليومين السابقين، باليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يصادف في الثالث من أيار.أكدت جميع الكلمات التي ألقيت في هذه المناسبة على حرية الإعلام في نقل الأخبار وفي العمل الصحفي وتنقل الصحفيين، وأكدت أن حرية التعبير ركيزة أساسية من ركائز الديمقراطية؛ وأن تقنينها ليس هو الاساس، كما ذهب رئيس الحكومة "المستقيل"، بل أن الحرية تتطور بذاتها ويتم تشذيبها وتهذيبها وتضع قواعد عملها من خلال التعديل الذاتي أو التصحيح الذاتي. وهو في اعتقادي الاتجاه الصحيح اذا ما رامَ الفلسطينيون الحفاظ على جذوتها.
لكن الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة في فلسطين لا يخلو من عدم رضى الصحفيين والإعلاميين عن حال حرية الصحافة وحرية التعبير في البلاد سواء في احاديثهم الجانبية أو في تقارير رصد الانتهاكات بحق الصحفيين. وبغض عن انتهاكات سلطات الاحتلال الاسرائيلي المستمرة ضد الاعلام والصحافيين، فان الخروقات الفلسطينية خلال العام 2012 وبداية عام 2013 بأشكالها المختلفة وخاصة الاحكام بالحبس والملاحقة القانونية، وحرمان بعض الصحفيين ووسائل الاعلام من تغطية أخبار الرئاسة الفلسطينية بمنعهم من دخول مبنى المقاطعة "مقر الرئاسة" ما زالت تقلق الصحفيين والإعلاميين والمدونيين.

(2) قَوارِصُ الْكَلِمِ ... والقضاة والمسؤولون
أعجبني ما عرضه الصديق محمد ابو عرقوب في مقاله " حرية التعبير والذم والقدح... الحدود الشائكة" لاجتهاد القاضي الاردني توفيق القيسي في (القرار في 22/3/98) الصادر في القضية المرفوعة من قبل أحد نواب البرلمان الاردني على صحيفة أردنية نشرت صورته وكتبت تحتها عبارة " نظرة.. فإبتسامة.. فوزارة"، متهما رئيس تحريرها بارتكاب جرائم الذم والقدح خلافا للمواد (189 و191) من قانون العقوبات الاردني وهو ذاته مطبق في الضفة الغربية، على اعتبار أن الصورة والتعليق تظهران أن النائب المشتكي يمارس النفاق. 
وقد شرح القاضي القيسي في متن قراره أن "الصحيفة عندما اتهمت المشتكي (النائب) بأنه منافق، كانت تتهم أداءه العام في لحظة معينة بالنفاق السياسي وليس النفاق الشخصي، وأن الطعن في أعمال موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة لا يدخل تحت قاعدة الذم والقدح. وإن يكن الكاتب أو الناقد (الصحيفة) استعمل كثيراً من الشدة ومن قوارص الكلم لا سيما وأن هذه تأتي من باب المبالغة في النقد والرغبة في التشهير بالفعل ذاته".
ويمضي القاضي القيسي في نص الحكم قائلا "إن ما قنعت به المحكمة، أن الصحيفة عندما اتهمت المشتكي (النائب) ، كانت تتهم أداءه العام في لحظة معينة بالنفاق السياسي العام وليس النفاق الشخصي. لتستخلص منه حسن نية الصحيفة والذي يعتبر بدوره سبباً عاماً لإباحة جريمة القذف".
القصد من هذا الاقتباس هو أن القضاء المَعْقِلُ الاخير لحماية حرية التعبير من ضيق صدر بعض المسؤولين الذين لا يؤمنون بحرية التعبير والنقد لسياساتهم وأفعالهم وأدائهم، ومحاولاتهم التضييق على الصحفيين والإعلاميين والمدونين. لكن للأسف سقط هذا المعقل في ثلاثة قضايا خلال هذا العام في بيت لحم (ممدوح حمامرة) ونابلس (انس عواد) وسلفيت (انس اسماعيل) عند حكمه في قضايا تشبه القضية المعروضة على القاضي توفيق القيسي.
ولا بد هنا من التذكير بالاتفاق الذي جرى في مؤتمر الاعلام العدلي في شهر أيار من العام الماضي تلتزم بموجبه السلطة القضائية بتعيين قاضي متخصص لقضايا حرية التعبير. فيما اعلن النائب العام المساعد د. احمد براق في ورشة عمل مركز مدي للحريات الاعلامية، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، عن قرار النائب العام بعدم التوقيف على قضايا تتعلق بحرية التعبير والاعلام.
في الأيام الاخيرة، أشار المستشار القانوني للرئيس أن الرئيس الفلسطيني "مش فاضي يفكر كيف يطلع قانون" في ورشة عمل "جرائم قتل النساء .. لا أعذار بعد اليوم"، فيما أشار رئيس كتلة فتح البرلمانية أنه تم تضليل الرئيس عند اصداره بعض القوانين كموازنة عام 2013 في ورشة عمل حول اداء مجموعة العمل الاقتصادية في المجلس التشريعي، فيما أعتقد أن بعض المؤسسات والأشخاص يسلبون الاهلية القانونية للرئيس في قضايا الحريات الاعلامية عند تقديمهم باسمه ودون علمه قضايا بالقدح والذم وتطويل اللسان.

(3) رؤساء التحرير قامعون لحرية التعبير
قمع الحريات يبدو أنه لم يعد حكرا على بعض المتنفذين وأصحاب القرار في الدولة بل أيضا يشترك فيه رؤساء التحرير في الصحف وبعض وسائل الاعلام بأشكال مختلفة منها التدخل في المقالات والأخبار. أما الأسوء هو منع رؤساء التحرير نشر مقالات إما بناء على أوامر بعض المسؤولين أو استرضاءً وتملقا لأصحاب النفوذ هنا وهناك.
قد يتفهم البعض فعل ذلك من الصحف المكتوبة تخوفا من الملاحقة القانونية بناء على  قانون المطبوعات والنشر لسنة 1995 الذي يسري عليهم، لكن هذا التخوف لا ينطبق على المواقع الالكترونية الاخبارية. كما أن البعض قد يتفهم لمعرفهم بالتوجهات  السياسية و/أو "التبعية الشخصية" لرؤساء التحرير في الصحف المكتوبة، لكننا لن نتفهم من تلك المواقع الالكترونية المحسوبة على ذوي اليسار واليمين خاصة تلك التي تدعي انها جاءت لتعزيز حرية التعبير وتتلقى تمويلا لذلك.
باعتقادي اليوم الاكثر رعبا على حرية الصحافة هو ممارسة "الاستبداد" من قبل أصحاب وسائل الاعلام ورؤساء تحريرها، وعدم مواكبتهم للتطور الحاصر على حرية  التعبير. فهل تستطيع أيا من وسائل الاعلام الفلسطيني عرض نسخة فلسطينية لبرنامج "د. باسم يوسف المصري" وكذلك قبول السلطة التنفيذية وأشباهها هذا تحدي للزعم بتوفر حرية التعبير وحرية الصحافة. الى أن يصبح ذلك، بالإضافة الى قضايا عديدة محل اهتمام، تبقى حرية الصحافة في فلسطين منقوصة.

(4) حرية التعبير ومكافحة الفساد امران متلازمان
خلال الأيام الثلاث الاخيرة عرضت في الصحافة الفلسطينية السمعية والبصرية ثلاث قضايا تعد نموذجا في مكافحة الفساد، ربما هناك اكثر لكن اوثق ما اطلعت عليه.
النموذج الأول يتمثل بتحول الاعلامي الكبير فتحي البرقاوي "ابو فراس"، وعلى الهواء مباشرة عبر راديو أجيال، إلى محقق مع وزير الصحة وزيرة الشؤون الاجتماعية ووكيل وزارة الشؤون الاجتماعية ليعلن وزير الصحة عن اكتشافه لمحاولة استغلال المنصب العام لبعض موظفي وزارة الصحة في منحة سفر للعلاج. أما الثاني للاعلامية ربا النجار التي كشف عبر برنامجها "عين على ...."، على تلفزيون فلسطين، جريمة استغلال منصب عام عند كشفها حماية أحد "الاشخاص" لمتسولين وحجز أمكان التسول لهم، وقد كانت جريئة عند تقمصها شخصية محققة على هيئة متسولة.
أما النموذج الثالث  كشف هارون عمايرة في تقرير اخباري لاستخدام مبيدات كيماوية في المنتجات الزراعية وتم اثباتها عبر التحاليل المخبرية. هذه التقارير الثلاث، اثنان منها في تلفزيون فلسطين الرسمي، وغيرها التي تجريها محطات اذاعية وتلفزية كتقرير تلفزيون وطن "حرية ملاحقة" تشير الى امكانية تطوير مهنة الصحافة في فلسطين وانتزاع مكانتها بفعل المخاطرة وجهود الصحفيين ليس فقط لتعزيز حرية الصحافة بل أيضا لمكافحة الفساد.

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان