آراء حرة

شَفافِيةُ المُوازَنَةِ.... وشَفافِيةُ مَكْتًبِ الرَّئِيسِ

شَفافِيةُ المُوازَنَةِ.... وشَفافِيةُ مَكْتًبِ الرَّئِيسِ

الكاتب: جهاد حرب
في نهاية جلسة المساءلة التي عقدها الفريق الأهلي للرقابة على شفافية الموازنة لرئيس الوزراء "وزير المالية"، والتي وجهت فيها مؤسسات المجتمع المدني العديد من الملاحظات والانتقادات على الموازنة العامة للسنة المالية 2013 والحصاد الأولي لميزانية العام 2012، قال لي أحد الحضور لقد تحدثتم عن جميع الأمور في الموازنة إلا شيء واحد لم تتطرقوا اليه وهو موازنة مكتب الرئيس. حينها قلت له مداعبا هل تتحمل مسؤولية تهمة ثانية أو محاكمة، ووعده أن يكون مقالي لهذا الاسبوع عن شفافية مكتب الرئيس.

وكانت قد خطرت لي هذه المسألة اثناء اعداد الورقة الاساسية التي سأقدمها نيابة عن الفريق الأهلي في جلسة مساءلة لرئيس الوزراء. لكنني تراجعت عن ذلك حتى لا نَصُبَ الزيت على النار في الخلاف الدائر ما بين الرئاسة الفلسطينية ورئاسة الوزراء، وحتى لا نقحم أنف المجتمع المدني في هذه العلاقة الشائكة.

وفي الاصل، "استهوتني" فكرة الكتابة عن شفافية مكتب الرئيس، عند قراءتي لافتتاحية جريدة هآرتس "الاسرائيلية" التي نشرتها صحيفة الحياة الجديدة بتاريخ 19/2/2013 مترجمة بعنوان "البوظة صعدت له الى الرأس" تتحدث عن نفقات رئيس الحكومة الاسرائيلية وكم تكلف البوظة وشراء الملابس له ولزوجته والتزيين "الحلاقة" خزينة الدولة، لأمرين: الأول أن الصحافة الفلسطينية بشكل عام لا تفضل الحديث أو متابعة قضايا تتعلق بالنزاهة والشفافية والفساد في المؤسسات المفصلية في السلطة الفلسطينية كالرئاسة. والثاني أن بعض مَنْ في مكتب الرئيس يعتقدون أن الاسوار العالية للمقاطعة تقطع ما بين الرئاسة والمواطنين، وأنهم غير مساءلين، وأنه يمنع على الكتاب والصحفيين "المساس" بهم.

في الموازنة العامة بلغت نسبة النفقات التشغيلية لمكتب الرئيس، في العام 2012، حوالي 6% من مجمل النفقات التشغيلية أي 132 مليون شيكلا فيما يخصص لها للعام 2013 حوالي 121 مليون شيكلا، وهي تعد خامس أعلى نفقات تشغيلية لمؤسسة في مؤسسات السلطة الفلسطينية. فيما تبلغ موازنة الرئاسة حوالي 2% من مجمل الموازنة العامة للعام 2013.

لكن التساؤلات حول شفافية الانفاق تحوم حول المكافآت الشهرية التي تصرف لمستشارين في مكتب الرئيس وآخرين من خارج مكتب الرئيس يشغلون مناصب عامة، والمساعدات المقدمة لموظفي الرئاسة كأقساط المدارس، ومهمات السفر. ناهيك عن استثناء موظفي مكتب الرئيس من قرار الحكومة الفلسطينية سحب السيارات الحكومية والإبقاء على هذا الامتياز دون وضوح و/ أو انسجام مع بقية القطاع المدني. مما يتطلب الافصاح عن الامتيازات التي يحصل عليها موظفو الرئاسة من الخزينة العامة لتعميم الشفافية في آليات التصرف بالمال العام.

فيما يشوب بعض القرارات الادارية والأولويات في مكتب الرئيس الشفافية؛ فعلى سبيل المثال لم يفهم لماذا تم تعيين ثلاثة مساعدين للنائب العام دفعة واحدة في حين أن الشاغر على الهيكلية هو مساعد واحد بعد تعيينه نائبا عاما، فيما تكلفة ترقية كل واحد منهم ألف دولار في الراتب الأساسي، بالإضافة الى أنه اصبح في النيابة العامة خمسة مساعدين للنائب العام في حين تتضمن هيكلية النيابة العامة على ثلاثة مساعدين فقط.

كما تعوز آليات الترقية في مكتب الرئيس للموظفين فيه الشفافية والوضوح؛ فقد سُجل في العام 2012 وحده ترقية خمسة موظفين في مكتب الرئيس استثنائيا، ما يعني انها تمت دون استحقاق أو عدم وجود شواغر على الهيكل التنظيمي أو مخالفة لقانون الخدمة المدنية.

في المقابل يحتجز مكتب الرئيس العشرات من قرارات الترقية المنسبة نظاميا، من قبل مجلس الوزراء وجهات الاختصاص، منذ عدة سنوات (منها ما تجاوز الاربع سنوات) دون تقديم تبريرا مكتوبا بل يقدمون اعذارا شفوية في حدود ضيقة أو بصفة شخصية منها على سبيل المثال لا الحصر الامتناع عن ترقية موظفة بسبب اعتبارهم "أن زوجها شخص مؤيد لحماس"، وآخر يسقط اسمه من بين اثنى عشر موظفا في قرار مجلس الوزراء، تمت ترقية احد عشر منهم، دون تبرير لعدم ترقيته، وآخر يعلن المستشار القانوني للرئيس عبر الاذاعة بأن له معاملة على مكتبه "بصورة مخالفة للقانون وبدون وجه حق". كل هذا دون تقديم ردا خطيا من قبل مكتب الرئيس على المعاملات أو قرارات جهات الاختصاص يوضح اسباب الامتناع أو الرفض.

البعض كان يعتقد أن عدم الرد نتيجة عدم المبالاة أو الاهمال أو احتماء بعض الموظفين السامين خلف شرعية الرئيس، لكنه اتضح أن هذا الأمر مبني على قرار مع "سبق الاصرار والترصد" ليس فقد لتعطيل سير دواليب الادارة بل أيضا لتعطيل سير العدالة بعدم منح مستندا رسميا ممن ترفض ترقيتهم اللجوء للقضاء. خاصة أن مكتب الرئيس خسر في محكمة العدل العليا العام عدة قضايا تتعلق بقرارات ادارية صادرة عن الرئيس لغياب الاستشارة القويمة التي توفر الحصافة للقرار الرئاسي.

وفي مفارقة عجيبة مع توجهات الرئيس محمود عباس وقراره بوقف الترقيات في الخدمة المدنية نهاية شهر آب من العام الماضي، إلا أننا نفاجئ بإصدار مرسوم بترقية أحد الموظفين في الرابع من شهر تشرين أول يسري مفعوله بأثر رجعي من نهاية شهر أيلول (29/9/2012)، وكذلك اصدار تعيينات لنواب بعض المحافظين صحيح أنها لا تحمل ترقية في الدرجة إلا أن طبيعة المنصب تقتضي امتيازات اضافية قد يكون من المفيد في ظل الازمة المالية عدم تفعيلها.

كما أن الاشارة بإنشاء هيئة شؤون المنظمات الأهلية بمرسوم رئاسي مشوب بشبهة عدم الدستورية تعوزها الحكمة والحصافة، لمخالفته أحكام المادة 69 من القانون الاساسي التي تمنح مجلس الوزراء الحق الحصري انشاء وإلغاء الهيئات والسلطات أو ما في حكمها من وحدات الجهاز الاداري. ناهيك عن أن انشاء هذه المؤسسة يخالف بالتوجه العام للسلطة الفلسطينية بخفض النفقات العامة وإتباع سياسة تقشفية خاصة في ظل الازمة المالية التي تعصف في السلطة الفلسطينية نتيجة الحصار الاقتصادي الاسرائيلي وامتناعها عن تحويل أموال المقاصة للسلطة الفلسطينية. مما يثير مسألة معقولية اقتراح مثل هكذا مرسوم في ظل الشبه بعدم الدستورية والتقشف المدعى والأزمة المالية ؟.

ملاحظة: محاكمة الصحفي حمامرة والعفو الرئاسي ليسا دليل معافاة؛ لا على مستوى حرية التعبير والعمل الصحفي، ولا على البناء المؤسسي لدولة فلسطين. وإنما دليل "خراب" في مؤسسات الدولة التي يريد أن يجر الشعب الفلسطيني الى نظام حكم الممالك والجمهوريات في الخمسينات والستينيات من القرن الماضي.

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان