آراء حرة

هل نحن فاسدون !!!!!!!

هل نحن فاسدون !!!!!!!


بقلم عصام بكر

التقرير الذي نشره ائتلاف امان خلال مؤتمره المنعقد في رام الله قبل عدة ايام يحمل في طياته معطيات بالغة الاهمية سواء من حيث المضمون او الارقام التي تناولها  التقرير لصورة الفساد في بلادنا, بطبيعة الحال لا يخلو مجلس او لقاء او اجتماع الا ويتناول جوانب محددة حول الموضوع الذي يقابل بالرفض واستعراض المخاطر الناجمة عن تفشي هذه الظاهرة, وذم وشتم الفاسدين والمفسدين وضرورة مواجهة الفساد بكل اشكاله.

من المعروف ان الفساد كظاهرة لا يقتصر على مجتمع دون غيره ولا دولة بحد ذاتها مع تفاوت النسب والشكل ومدى تاثير هذا الفساد على الفئات والقطاعات, كما انه لا يتوقف على حدود القطاع العام او الاهلي او الخاص او غيره من مجالات الحياة المختلفة مع ضرورة الاشارة ايضا الى ان هذه الظاهرة ليست حديثة بل عانت منها البشرية منذ القدم.

وعودة على تقرير امان "مكافحة الفساد في المؤسسات العامة تدابير واجراءات" وبالاشادة بالجهد الكبير المبذول في اعداد التقرير والمهنية العالية التي يتمتع بها ائتلاف امان والتقارير الصادرة عنه بما فيها التقرير الاخير وحجم الانكباب الواضح على عمل متواصل بمعايير ووحدات قياس ربما تكون جديدة على مجتمعنا كادوات قياس بمقدورها تحديد اوجه واشكال وحجم الفساد في كافة المؤسسات الحكومية والاهلية والخاصة, وهو بكل الاحوال تقرير يستحق الوقوف عنده مليا ومطولا ومناقشته بعمق وروية على كافة المستويات لما يحمل بين دفتيه من معلومات اقل ما يقال فيها انها تدق بقوة ناقوس الخطر الحقيقي المحدق بنا جميعا اذا ما استمرت عملية(افساد)المجتمع بالطريقة التي جرى الحديث عنها وفي هذا السياق لا بد من ان نحيي الروح (الفدائية) كما تحدث بها رئيس هيئة مكافحة الفساد والكسب غير المشروع المناضل رفيق النتشة وبالفعل هي شجاعة منقطعة النظير تسجل لصالح ائتلاف امان وما تحلو به من روح عالية من المسؤولية في عرض التوصيات وشرح صورة المشهد الفلسطيني على هذا النحو.

غير اننا بالمقابل يحق لنا ان نطرح بعض الاسئلة التي تنقسم الى قسمين الاول اجرائي ويتعلق بالفترة التي يعالجها التقرير ولماذا تقتصر على العام الماضي 2009 رقم مرور حوالي نصف عام على 2010 حتى لو تمت الاشارة الى جوانب معينه عن تحسين ملحوظ في بعض المؤسسات خلال اوائل هذا العام, وهنا نسجل ملاحظة حول ضرورة اصدار تقاري ربع او نصف سنوية بشكل دوري منتظم وربط ذلك كله بمدى احراز تقدم هنا وهناك دون محاباه او مجاملة لاي كان فخلال نصف عام يمكن متابعة مدى رضى المواطن حسب الاستطلاعات وهذا مهم ولكن الاهم هو شعور (اباطرة) المؤسسات وصناع القرار بهاجس التقرير القادم مع امكانية وضع قائمة سوداء لاكثر المؤسسات او الاشخاص المتنفذين اساءة للمنصب, او استغلالا للمال العام وحتى لو ظن البعض اننا لا نعيش في السويد او سويسرا ولا يجوز نشر( غسيلنا الوسخ)تحت ذرائع الاحتلال ووجود شعبنا في محطة خطيرة تتطلب تكاتف الجميع  لكنه برايي ليس مبررا لاي كان ان يستغل موقعه لاستباحة البلد عبثا وفسادا.

ومادامت تتوفر الطواقم البشرية والفنية وما تم خلال المؤتمر من اعلان عن وحدة قياس لمراقبة الفساد بادوات علمية يمكن ان تعمم عربيا, ومادامت تتوفر الميزانيات اللازمة فما العائق من اصدار تقارير نصف شهرية يعكف على اعدادها كادر امان المدرب والمؤهل وصاحب الخبرة بالتعاون مع الرقابة الادارية والمالية وهيئة محاربة الفساد المستحدثة بمرسوم رئاسي يمنح الصلاحيات الكاملة بالمتابعة والفحص وعرض النتائج وفق الاصول والقانون.

اما النوع الثاني من الملاحظات وهو المتعلق بالمضمون صحيح ان التقرير يستعرض بالارقام واقع الحال في اطراف المعادلة لدى كافة مكونات النظام السياسي والمجتمعي الا ان امكانية تسجيل ملاحظات حول ما جاء في هذه الارقام يمكن ايرادها ايضا وهي تصب في خدمة التقارير القادمة او حتى شريحة المستطلعين الذين تشملهم البيانات ذات العلاقة وحسب ما جاء في هذا التقرير فان ما نسبته حوالي 35% من المبحوثين يرى ان الاحزاب والقوى السياسية هي الاكثر فسادا, يليها 16.4% المؤسسات الرسمية والاجهزة الامنية, في حين يرى 12.1% ان الوزارات والمؤسسات المدنية هي الاكثر فسادا, ويعطي 8.3% مؤسسة الرئاسة ثم 6% للمؤسسة القضائية, 5.9% للتشريعية و5% للهيئات المحلية في حين حصل القطاع الخاص على 4.6% و3.8% للقطاع الاهلي و1.8% للمؤسسات الدولية العاملة في فلسطين, 0.3% للنيابة العامة , 0.8% كانت اجاباتهم لا اعرف.

وبدون الدخول في تفصيلات الارقام اعلاه التي اوردها هنا ليس من قبيل الصدفة يتضح لنا ان الشعب الفلسطيني (كله) فاسد بقواه ومؤسساته ومنظماته الاهلية بالرئاسة والقضاء بالشركات والقطاع الخاص, ويتبادر لنا السؤال التالي هل كلنا فعلا فاسدون؟؟؟؟؟ وما جدوى استمرار العمل الوطني وبناء المؤسسات ؟؟؟ والحديث عن اعلان الدولة المستقلة؟؟؟ ويشتق من السؤال سؤال اخر وهو هل هذه حقيقة ما يجري وواقع الحال في بلادنا ام ان التقرير ينطوي على مبالغات وليس الا ؟؟؟ اسئلة كثيرة يمكن ان تطرح وتطرق باب المسؤولين وصناع القرار.

واذا اسلمنا دون نقاش بحقيقة الارقام اعلاه فيحق لنا ايضا حسب التقرير ان( نوزع) ونتقاسم المسؤولية حسب النسب المبينة بمدى التاكل الحاصل في عظم مجتمعنا المنخور ( بدودة) الفساد التي تغرقنا في وحل الترنح والانهيار, والسؤال الاخر الاكثر قوة هو حول مبررات وجود احزاب وقوى ومؤسسات فاسدة تتدعي انها حريصة وتنفذ مشاريع تنموية وريادية وفي حقيقة الامر تاخذ باليد الاخرى ما تقدمه باليد الاولى فسادا وافسادا, ومن هنا يحق للفقراء والمستضعفين والفئات المهمشة ان تبدأ ( ثورة) التغيير الاجتماعي, اطراف المعادلة الاساسية القوى الوطنية والفصائل والاحزاب التي من المفروض انها تربي وتثقف وتبني الفرد بكل القيم النظيفة والمبادئ والافكار, وتزرع  المثل التي تؤسس لاجيال, واجهزة الامن التي تحمي الوطن وتصون كرامة المواطن, والوزارات التي تقدم خدماتها للجمهور , والمؤسسات الاهلية التي عملت قبل قدوم السلطة وما زالت لتطوير وتعزيز صمود الناس من خلال مشاريع وورش ومؤتمرات, القضاء صاحب القول الفصل الذي من المفترض ان يترفع عن اي شك وان يتمتع بالنزاهة والمصداقية, الرئاسة بيت الشعب الفلسطيني ورمز الشرعية, هل كل هذه الفئات تندرج في اطار المؤسسات الفاسدة؟؟؟ اذا كان الحال كذلك فاننا نعيش كارثة حقيقية تهدد ليس منظومة القيم فقط وانما النسيج الاجتماعي المستقبلي لكل فئات هذا الشعب!!!!

لكن في الحقيقة بالمقابل هناك اسئلة من زاوية اخرى تفتح باب النقاش المفتوح على زوايا اخرى من نصف الكأس اثارها التقرير بعيدا عن التغني بامجاد الثورة المعاصرة التي خاضها الشعب مؤمنا بحتمية النصر والوصول للحقوق الوطنية المشروعة, احدى اهم هذه الحقائق وحسب التقرير المذكور لامان ان حوالي 56.9% سيقومون بالابلاغ عن حالة فساد مقابل 43.1% قالوا انهم لن يقوموا بالتبليغ, هذه الارقام والاحصائيات لا يمكن المرور عليها مرور الكرام, هذا يؤشر ان الفساد يقترب من ان يكون ثقافة عامة في البلد, الحقيقة الاخرى ان الحديث عن نزاهة المؤسسات الاهلية التي تربعت في العام الماضي على عرش المؤسسات الاكثر فسادا باعتقادي ربما تحتاج الى وقت اطول للنزول فجأة الى هذه النسبة 3.8% دون ان نوجه اتهاما لهذه المؤسسات, ولعلنا نتساءل ايضا هل سنرى في التقارير القادمة تصنيفا لكل فصيل على حده او كل مؤسسة على حده في سلم درجات الفساد بكل الجرأة والشجاعة المعهودة!!! وهل سيكون ائتلاف امان نفسه جزءا من هذه المؤسسات المشمولة بالدراسة .

يحتاج التقرير الى وقفة تقييم جدية من جهة الجميع وتحتاج امان في ذات الوقت الى مسؤولية من نوع اخر هي تتحلى بها ولكن يجب ان يكون مسار وتقديرات الامور بما ينسجم اولا مع المصلحة الوطنية العليا ودون الدخول الى مناطق ساخنة بقصد الاثارة او التشويه ومن شانها ان تؤثر على مجمل الوضع في ظل الانقسام الداخلي والتحديات التي يفرضها المشروع الاستطياني الاسرائيلي الذي يجب ان يحظى بالاهتمام المطلوب رغم انها لا تبرر لاي نوع من انواع الفساد بل ان محاربة الفساد وخلق روح المسائلة والشفافية, والسعي لبناء المجتمع الديمقراطي ودولة المؤسسات اصبحت ضرورات ملحة لاستمرار النضال الوطني وانهاء الاحتلال.
هناك فرق بين من يهدم ومن يبني كلنا لسنا طبقة من الفاسدين ولا يمكن ان يوضع الجميع في سلة واحدة ربما من المفيد عقد لقاءات مع الاحزاب والقوى مجتمعة او فرادى لمتابعة استكمال التقرير وعرض نتائجه, عقد ورش ولقاءات مع المؤسسات, الاجهزة الامنية, الوزارات, والاعداد لمرحلة جديدة, تغذية من نوع اخر نستعيد فيها بعض القيم التي فقدناها وان ننطلق من قاعدة ان بالامكان محاربة الفساد والمحسوبية وهدر المال العام وان كل ذلك ما هو الا ظاهرة عابرة وليست ثقافة الناس الذين لا يمكن ان يقبلوا ان تكون المعادلة - اناس يقومون بالتضحية واخرين همهم المفساد والافساد

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان