آراء حرة

لماذا تغيب فلسطين من تقرير الشفافية الدولية؟

لماذا تغيب فلسطين من تقرير الشفافية الدولية؟

بقلم/ مهند عبد الحميد

لم تدرج فلسطين في تقرير منظمة الشفافية الدولية عام 2010. وللأسف يتكرر غيابها منذ عام 2006 وحتى الان، علما ان اعوام 2003 - 2005 سجلت حضورها في التقارير الدولية وحصلت على ترتيب عالمي 78، 108، 107. لماذا حضرت فلسطين ثم غابت وتكرس غيابها، ما سبب ذلك؟ هل كنا نملك سيادة عندما حضرنا؟ ثم فقدنا السيادة كي نغيب؟ هل افغانستان والعراق لديهما سيادة مثلا؟ المبرر او التفسير المطروح غير مقنع، فالمؤسسات الفنية والباحثون يستطيعون عمل مسوحات ودراسات واستطلاعات تعرف بمستوى الشفافية وحجم الفساد. الدليل على ذلك هو توفير تلك المتطلبات في اكثر السنوات اضطرابا واثناء الفلتان الامني. الان يتوفر شرط امني افضل كما تقول التقارير الدولية، وتتوفر منظمات محلية كالائتلاف من اجل النزاهة والمساءلة-أمان وتقاريرها ذات الصلة، وتم إنشاء هيئة رسمية لمكافحة الفساد والكسب غير المشروع، ويتوفر ايضا قاعدة معلومات ومراكز اختصاص. وكل ذلك يسمح بعمل المسوحات والابحاث والاستطلاعات التي تتيح إدراج فلسطين ضمن التقارير. وجود فلسطين في تقارير الشفافية وفي تقارير مؤشر حرية الرأي وفي تقارير حقوق الانسان وتقارير الفقر له اهمية كبيرة. فمن المفيد التعرف على موقعنا العالمي في مجالات حساسة. لا يكفي تقييمنا للذات قبولا او استياء. ما يهم معرفة مكانتنا الدولية استنادا لمعايير مشتركة. اين نحن من باقي الامم والشعوب؟ من هي الشعوب والحكومات التي يمكن التعلم من تجاربها. سنغافورة، نيوزيلندا، الدنمارك، فنلندا، السويد، كندا، هولندا، استراليا، سويسرا، والنرويج دول احتلت المراتب العشر الاولى. يلاحظ انها دول ليست عظمى ولا "سوبر باور"ولم تشارك في حروب او احتلالات، ولا فكرت في تصدير الديمقراطية على ظهر دبابة. هذه الدول تقدم نموذجا في الشفافية والنزاهة يتطلع الناس لمحاكاته. 22 دولة تمكنت من جمع سبع نقاط فأكثر من عشر نقاط، 130 دولة لم تتجاوز خمس نقاط، وثلاثة ارباع دول العالم يتفشى فيها الفساد باشكال متفاوتة. ثمانية بلدان عربية تبدأ بقطر التي احتلت المرتبة 19 على صعيد عالمي وتنتهي بتونس التي احتلت المرتبة 59 حسنت من أدائها وموقعها رغم ان بعضها لم يجمع خمس نقاط. قطرالبلد العربي الوحيد الذي حصل على 7,7 نقطة ، وما عدا ذلك يحتاج الى إصلاحات إدارية ضرورية. الصومال جاءت في المرتبة الاخيرة 1,1 نقطة من مجموع عشرة وما قبلها افغانستان والعراق والسودان. غياب فلسطين من تقرير الشفافية الدولية، لا يقلل من الحاجة الفلسطينية للحد من الفساد، ولا يعفي من طرح هذا الموضوع الحيوي على رأس الاجندة. وذلك من اجل تعزيز مناعة المجتمع الداخلية وفتح الافاق امام تطوره وتقدمه الديمقراطي، وفي مواجهة الاخطار الخارجية المتلاحقة ايضا. الفساد كان كعب أخيل التجربة الفلسطينية، فقد ساهم في إضعاف المؤسسة الرسمية والاهلية، وفي خلخلة ثقة المجتمع بهما، وفي إضعاف التماسك الوطني العام، وإهدار المال العام، وتغليب المصالح الفردية والفئوية على المصالح العامة والمشتركة والوطنية، وفي سيادة فوضى المعايير.نحن نفتقد الى سيادة تضعف بناء النظام والقانون، ولا احد ينكر التدخل السلبي المنهجي من قبل سلطات الاحتلال. لا احد ينكر العامل الموضوعي شديد السوء. ولكن لا يمكن التسليم بأن الفساد في العامل الذاتي قدر لا فكاك منه، لا احد يستطيع تبرير الاستخدام السلبي للوظيفة والمؤسسة الحكومية.نظريا نستطيع ان ننشئ منظومة قيم ونبني مجموعة مؤسسات وننحاز لأولويات يحتاجها المجتمع الذي يتوزع على معسكر اعتقال كبير بداخله معسكرات اعتقال اصغر. الفساد يمر امام ناظرينا ويعيد انتاج الاساليب التقليدية ويتسرب في قنوات ومسارب قديمة جديدة. جاء في استطلاع- المركز الفلسطيني للدراسات وحوار الحضارات استهدف الفئة العمرية من 18- 30 سنة : ليقول 83,5% من المستطلعين "ان الناس يتدبرون امورهم من خلال الواسطة". ويقول آخر استطلاع نظمته أمان : ان 63% يقرون بوجود واسطة ومحسوبية و13,2% يقرون بوجود رشوة، و9,3% يعتقدون ان مظهر الفساد يتجلى بإهدار المال العام. وفي استطلاع اخر هناك 49 % يرون ان التعيينات والوظائف هي اكثر خدمة انتشر فيها الفساد بشكل عام . تستمر التعيينات والترفيعات لكبار الموظفين بالواسطة وفي إطار تدخل مراكز القوى واستمرار الأخذ بالتنفيعات والزبائنية المقيتة. وعندما لا تخضع هذه العملية لمعايير مهنية ونظامية، فإن ذلك ينعكس سلبا على أداء المؤسسة ويؤدي الى تدمير ثقة الجمهور بها. ان ملفات الفساد التي تم فتحها هي الملفات الاقل شأنا وأهمية. وهذا شيء حسن، افضل من لا شيء. ولكن يلاحظ انه لم يسجل حتى الان فتح ملف واحد لمسؤولين من الوزن الثقيل. على العكس من ذلك هناك محاولات تبييض لمشتبهين بالفساد، هناك دفاع غير معلن وتضامن المشتبهين مع بعضهم، وربط طرح قضية فساد بطرح قضايا فساد اخرى يمكن ان تخلق ازمة خطيرة.ولهذا السبب يتحدث تقرير الفساد الصادر عن امان عن التردد في تقديم المسؤولين الكبار ويتحدث عن ضعف الإرادة السياسية العليا في مكافحة الفساد. والذي ينعكس على قدرة النائب العام على فتح الملفات. يمكن القول اننا نملك مقومات بحد مقبول لمعالجة الفساد، مقومات تتطور عاما بعد عام، كما يوجد وعي مجتمعي بوجود الظاهرة، بل يوجد استفزاز شعبي متزايد جراء تضارب مصلحة الاكثرية مع وجود فساد. وهذا يشكل بيئة مواتية للنضال ضد الفساد. والنضال ضد الفساد يقع في صلب العملية الديمقراطية فلا معنى مثلا لغياب بند مكافحة الفساد من اجندة القوى السياسية او وجوده بالمعنى الشكلي دون ضغوط وتدخلات. وكذلك غياب هذا البند من اجندة الاتحادات الشعبية والمنظمات الجماهيرية والنقابات. عندما تطرح قضية الفساد كقضية ديمقراطية عامة، عندئذ يصبح فتح الملفات أمراً مفروغاً منه

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان