للمرة العاشرة على التوالي، تصدر منظمة الشراكة الدولية للموازنة مسح الموازنة المفتوحة (Open Budget Survey – OBS)، والذي شمل هذا العام 83 دولة حول العالم. وللمرة الثانية، تشارك فلسطين في هذا المسح من خلال الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان).
ويُعد مسح الموازنة المفتوحة الأداة البحثية الوحيدة عالميًا التي تتسم بالاستقلالية وقابلية المقارنة، وتعتمد على بيانات موثقة ومعايير دولية لقياس ثلاثة محاور رئيسية: مدى إتاحة معلومات الموازنة العامة، ومستوى مشاركة الجمهور في عملية إعدادها، ودور المؤسسات الرقابية في الإشراف على إدارة المالية العامة.
أظهرت نتائج مسح عام 2025 تحسنًا طفيفًا في مجال الشفافية مقارنة بعام 2023، حيث حصلت فلسطين على14 من 100 بعد أن كانت8 من 100. كما ارتفعت درجة الرقابة بشكل محدود من17 إلى 19 من 100. في المقابل، بقيت مستويات المشاركة عند صفر من 100 دون أي تحسن يُذكر.
ويعزى تدني هذه النتائج، مقارنة بالدول الأخرى، بشكل رئيسي إلى غياب دور المجلس التشريعي، باعتباره الجهة الرقابية الرسمية المناط بها متابعة عملية الموازنة في مختلف مراحلها. وفي ظل هذا الغياب، يتم إصدار الموازنة ومتابعة تنفيذها بقرارات صادرة عن الرئيس، في ظل تمركز الصلاحيات في مكتب الرئاسة، الذي لا يقوم بدور رقابي مؤسسي، نظرًا لطبيعة مهامه التنفيذية، إضافة إلى محدودية الموارد البشرية وتعدد المسؤوليات.
كما تشير تقارير ائتلاف أمان إلى أن تمركز القرار المالي، وغياب الفصل بين السلطات، يشكلان عاملين أساسيين في ضعف منظومة الرقابة، وهو ما ينعكس سلبًا على نتائج فلسطين في هذا المسح.
إلى جانب ذلك، لا تزال فلسطين تواجه تحديات كبيرة نتيجة ممارسات الاحتلال، والتي تعيق عمل الحكومة وتحد من قدرتها على التخطيط المالي الفعّال. ويؤثر احتجاز أموال المقاصة بشكل مباشر على انتظام إعداد الموازنة، والالتزام بالآجال الزمنية لنشرها، إضافة إلى التأثير على قدرة الحكومة في تقديم الخدمات وتخصيص الموارد للقطاعات الحيوية.
وفي ظل هذه الظروف السياسية والاقتصادية المعقدة، تتغير أولويات الحكومة بشكل مستمر، مما يحدّ من قدرتها على الالتزام بمعايير الشفافية والمشاركة وفق الأطر الزمنية والمعايير الدولية.
وعلى الرغم من ذلك، تزداد الحاجة إلى تعزيز مشاركة المواطنين، لا سيما من خلال مؤسسات المجتمع المدني، بما يسهم في تعزيز الثقة بين الحكومة والمواطنين، وتحسين إدارة الموارد العامة. ويشكل تدني نتائج فلسطين في هذا المسح مؤشر إنذار يمكن البناء عليه كفرصة للإصلاح والتحسين.
وفي هذا السياق، يؤكد ائتلاف أمان أن المشاركة الفعالة لا تقتصر على اللقاءات غير المنظمة، بل تتطلب مأسسة واضحة تضمن إشراك مؤسسات المجتمع المدني في جميع مراحل الموازنة، بدءًا من الإعداد وصولًا إلى التقييم.
كما أن تعزيز الشفافية يستدعي نشر معلومات الموازنة بشكل شامل وفي مختلف مراحلها، وبصيغ مبسطة ومتعددة الوسائط، بما يضمن وصولها إلى جميع المواطنين. ويشمل ذلك نشر "موازنة المواطن" ليس فقط بعد إقرار الموازنة، وإنما أيضًا عند مرحلة مشروع الموازنة، لتمكين المواطنين من إبداء آرائهم قبل اعتمادها.
أما على صعيد الرقابة، وعلى الرغم من الدور الذي يقوم به ديوان الرقابة المالية والإدارية، إلا أن هناك حاجة ملحّة لضمان متابعة وتنفيذ التوصيات الواردة في تقارير التدقيق، خاصة تلك المتعلقة بالحساب الختامي، بما يعزز المساءلة ويحد من أوجه القصور.