بمقاطعة وعدم تعاون مجلس القضاء الشرعي
ائتلاف أمان يعقد جلسة نقاش تقرير حول منظومة النزاهة في أعمال القضاء الشرعي
رام الله- عقد الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) جلسة مناقشة مسودة تقرير حول منظومة النزاهة في أعمال القضاء الشرعي، حيث استعرض التقرير واقع القضاء الشرعي من خلال تحليل شامل للإطار التشريعي والمؤسسي، إضافة إلى منظومة النزاهة والشفافية والمساءلة.
وافتتح المدير التنفيذي لائتلاف أمان، عصام حج حسين، الجلسة، مشيرًا إلى أن مناقشة مسودة التقرير تأتي ضمن سلسلة تقارير دورية يعدّها الائتلاف، في إطار مساهمته في جهود الإصلاح، من خلال تقديم توصيات لصنّاع القرار بهدف تحسين الأداء العام والارتقاء بمستوى الخدمات الأساسية المقدّمة للمواطنين.

وأوضح حج حسين أن مجلس القضاء الشرعي، الذي قاطع الجلسة، لم يتعاون في توفير معلومات أساسية لإعداد التقرير أو حتى مراجعته، معتبرًا أن ذلك يعزز من مطالبات ائتلاف أمان المستمرة بضرورة الانفتاح، وهو ما كان قد أكد عليه رئيس الوزراء مرارا وانعكس إيجابا في العلاقة مع العديد من المؤسسات العامة، إلا أن أغلب المؤسسات التي تخضع لإشراف ديوان الرئاسة هي الأقل انفتاحا وتقبلًا للمساءلة.
وشدّد حج حسين على أهمية مطلب ائتلاف أمان الثابت، والمتمثل في أهمية تبنّي الحكومة لسياسة حكومية معلنة ومعتمدة ومنشورة تجاه مؤسسات المجتمع المدني، مع ضرورة مساءلة أي جهة لا تلتزم بها. كما أكد أهمية إحياء الانتخابات العامة، بما فيها الانتخابات التشريعية، بما يعزّز دورها في مساءلة المؤسسات، خاصة تلك التي يكتنف مرجعياتها قدر من الغموض.
ثغرات جوهرية وتركز الصلاحيات وتداخل الأدوار
وقدم الباحث عزيز كايد عرضًا لأبرز الاستخلاصات والتوصيات خلال الجلسة، حيث خلص التقرير إلى أن القرار بقانون رقم (8) لسنة 2021 أسهم في تنظيم عمل القضاء الشرعي، إلا أنه كرّس تبعية ديوان قاضي القضاة للرئيس، بما يخالف القانون الأساسي ويضعف استقلالية القضاء الشرعي. كما أشار إلى وجود نصوص تتعلق بالنزاهة ومنع تضارب المصالح، لكن دون ضمانات كافية لتطبيقها، إضافة إلى غياب نصوص تُلزم بنشر التقارير والقرارات، وعدم وضوح إصدار اللوائح والأدلة التنفيذية. كما اعتبر نقل صلاحيات إصدار اللوائح إلى الرئيس تعديًا على اختصاصات مجلس الوزراء.

وبيّن التقرير أن القضاء الشرعي يتكون من ديوان قاضي القضاة والمحاكم الشرعية ومجلس القضاء الشرعي، إلا أن قاضي القضاة يجمع بين عدة مناصب وصلاحيات، الأمر الذي يعزز من تركّز السلطة ويضعف المساءلة.
تعيينات غير واضحة ومخالفات مرصودة وضعف النشر والإفصاح والشفافية
وأظهر التقرير أيضا أن تعيين قاضي القضاة يتم دون معايير أو آليات تنافسية واضحة، يضعف ضمانات الحيادية. كما رصد مخالفات إدارية ومالية تتعلق بالتوظيف، وآليات عمل المحكمين، وصرف المكافآت والنفقات، وغياب أنظمة محاسبية واضحة، إلى جانب نقص المعلومات حول إقرارات الذمة المالية وسياسات تضارب المصالح.
ولفت التقرير إلى محدودية الشفافية، حيث لا يتم نشر الموازنات أو التقارير السنوية أو الهيكل التنظيمي، كما أن الموقع الإلكتروني يعاني من ضعف التحديث، ومع غياب واضح للقرارات والبيانات الحديثة، يؤدي إلى محدودية وصول المواطنين إلى المعلومات.
آليات غير فعالة في المساءلة والرقابة
وأشار التقرير إلى ضعف الرقابة الداخلية وعدم تفعيل وحداتها، وغموض دور التفتيش القضائي، وغياب معلومات حول آليات الشكاوى والمساءلة المجتمعية. كما بيّن أن نقل المرجعية إلى مؤسسة الرئاسة أضعف فعالية المساءلة، في ظل عدم نشر تقارير حديثة أو وجود رقابة مؤسسية واضحة.
توصيات نحو إصلاح تشريعي وتعزيز الشفافية ومساءلة مجتمعية فاعلة
وأوصى التقرير بضرورة تعديل التشريعات لإعادة دمج القضاء الشرعي ضمن السلطة القضائية، والحد من تركّز الصلاحيات، إضافة إلى إقرار قانون يضمن الحق في الحصول على المعلومات. كما شدد على أهمية نشر الموازنات والتقارير والقرارات، وإصدار اللوائح والأدلة التنفيذية، وتفعيل وحدة الرقابة الداخلية.
وأكد التقرير أهمية تعزيز المساءلة المجتمعية وفتح قنوات التواصل مع المواطنين، وتوضيح آليات إقرارات الذمة المالية والتفتيش القضائي ونظام الشكاوى، بما يسهم في رفع مستوى النزاهة وتعزيز ثقة الجمهور بالقضاء الشرعي.
تعقيبات مختلفة
قال د. خالد الدين طالب، رئيس دائرة الفقه والقانون في الجامعة العربية الأمريكية، إن غياب ممثلي المجلس عن الورشة يعكس حالة من التقصير، مؤكدًا الحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة القضاء الشرعي والتشريعات التي صدرت في ظل غياب المجلس التشريعي.

ولفت طالب إلى أن هناك نشرًا دوريًا لمبادئ عامة ومتابعات مع المحامين الشرعيين على صفحات التواصل الاجتماعي مقابل إهمال الموقع الإلكتروني الرسمي.
أكد بلال البرغوثي، المستشار القانوني في ائتلاف أمان، أن الخروج عن مبدأ وحدة السلطة القضائية يُعد مخالفة جوهرية للدستور، مشددًا على أنه "لا يجوز أن يكون لدينا سلطتان قضائيتان". وأوضح أن تفرد شخص واحد في إدارة الجهة القضائية يُسهم بشكل مباشر في إحداث الخلل داخل هذا القطاع.

وأشار البرغوثي إلى أن مفهوم المساءلة داخل الجسم القضائي يفقد معناه في حال تبعيته للسلطة التنفيذية، معتبرًا أن ذلك يُشكل أيضًا مخالفة دستورية واضحة. وأضاف أن القانون الأساسي لم ينص على تبعية السلطة القضائية للرئيس، بل إن الأصل أن تكون مستقلة، مع وجود أطر واضحة لتنظيم العلاقة مع الحكومة.
وحذر من أن استمرار هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية يقوض مبدأ الفصل بين السلطات، مؤكدًا على ضرورة تشكيل مجلس قضائي وفق إطار قانوني واضح وهيكلية محددة، بما يضمن عدم التفرد في اتخاذ القرار داخل هذا الجهاز الحيوي.
قالت عهود مرقطن من مؤسسة مفتاح إن مجلس القضاء الأعلى رفض عددًا من التعديلات التشريعية التي تمس قضايا العدالة الاجتماعية، من بينها تعديلات على قانون الأحوال الشخصية، إضافة إلى مشروع قانون حماية الأسرة من العنف.
وأضافت مرقطن أن طول أمد التقاضي، خاصة في القضايا الاجتماعية، يؤثر بشكل مباشر على النساء، ما يؤدي إلى تزايد حالات التظلم. وأشارت إلى ضرورة الاستثمار في دوائر الإرشاد الأسري حيث يمكن أن يسهم في الحد من تصاعد قضايا الطلاق، مؤكدة على أهمية تطوير هذه الدوائر لتعمل كمنظومة وقائية تقلل من تفاقم النزاعات الأسرية.
فيما عقّبت الصحفية أنصار طميزي بأن مجلس القضاء الشرعي لا يقوم بنشر موازنته على موقعه الرسمي، وأوضحت أن البيانات المالية المتاحة تُعرض على شكل أرقام إجمالية، دون تفاصيل كافية تُمكّن المواطن من معرفة أوجه الإنفاق أو تقييم مدى تحقيق الأهداف المعلنة، كما أن محدودية المعلومات المنشورة تقلل من فعالية الشفافية والمساءلة العامة.

قالت شيرين الخطيب من مركز مدى إنه يجب توفير نظام واضح وفعّال لتقديم الشكاوى، مع ضمان إتاحة المعلومات ونشرها على الموقع الإلكتروني الرسمي، بما يعزز مبادئ الشفافية ويُمكّن المواطنين من الوصول إلى المعلومات بسهولة.
وبدوره، أكد د. حذيفة من دار الإفتاء أن غياب المجلس يُعد مشكلة كبيرة، مشيرًا إلى أن معظم الأسئلة التي أُثيرت ستبقى دون إجابات واضحة في ظل هذا الغياب. وتساءل عن الإجراءات التي اتخذها المجلس لتصويب أوضاعه، خاصة في ضوء الملاحظات الواردة في تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية لعام 2025.
ختم د. عزمي الشعيبي، مستشار مجلس إدارة ائتلاف أمان لشؤون مكافحة الفساد، أن مبدأ الحكم القائم على الفصل بين السلطات ينص على وجود ثلاث سلطات: تشريعية وتنفيذية وقضائية، مؤكدًا أن هذا المبدأ يقوم على وجود سلطة قضائية واحدة، وليس تعدد سلطات قضائية. وأوضح أن النصوص القانونية واضحة في تنظيم العلاقة بين السلطات، مع التأكيد على ضرورة الفصل بينها، رغم وجود ارتباطات تنظيمية.

وأشار الشعيبي عن أسباب التوسع في تضخم الهياكل القضائية، مضيفا أن بعض هذه الترتيبات أدت إلى ارتباط مؤسسات القضاء الشرعي والافتاء بالسلطة التنفيذية، ما يثير إشكاليات تتعلق بالاستقلالية والمساءلة. ولفت إلى أن التقارير السنوية الصادرة عن هذه الجهات تُرفع إلى الرئاسة، دون أن تخضع لمراجعة أو مساءلة كافية، مؤكدا أن تقرير أمان لا يتناول تقييم أداء القضاة.
وأكد الشعيبي أن تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد يتطلبان تبني استراتيجيات وقائية، تقوم على الشفافية، ونزاهة سلوك الموظفين، وخضوع المؤسسات للمساءلة، معتبرًا أن البيئة المؤسسية الحالية لمجلس القضاء الشرعي قد تتيح فرصًا للفساد.
وختم بالإشارة إلى أن تقارير ديوان الرقابة أظهرت وجود إشكاليات في عمل مجلس القضاء الشرعي، في حين لا تحظى هذه المؤسسة بحضور على الإطلاق في تقارير ديوان الرئاسة، ما يطرح تساؤلات حول مستوى الإشراف والمساءلة المفروضة عليها.