آراء حرة

حيتان الفساد .. وأكباش الفداء

حيتان الفساد .. وأكباش الفداء



 
  
بقلم : توجان فيصل (كاتبة أردنية ) ..

أعلنت هيئة مكافحة الفساد، وعلى لسان رئيسها ,عن قيامها بإحالة أربعة عشر موظفا من ملاك المؤسسة الاستهلاكية المدنية إلى الجهات القضائية بجرم اختلاس حوالي ثلاثين الف دينار والتهاون بواجبات الوظيفة . " والتهاون " هذا يؤشر على أن بعض هؤلاء قد لا يكونون ضالعين في الاختلاس ذاته , ولكن تهاونهم سهل الاختلاس.

لحد هنا الأمر يبدو عاديا ومحقا , بل ويستحق الإشادة كونه حتى " التهاون " المؤدي لضياع مال عام لا يجري السكوت عنه .. لولا أن هذا الإعلان جرى بعد أسابيع معدودة من تداول الناس لخبر آخر نشرته الصحافة , مفاده إحالة مدير هيئة مكافحة الفساد الحالي على التقاعد وتعيين خلف له جرت تسميته .

وصحة الخبر تمثلت في تأكيدات وتفاصيل نقلت عن الرجلين اللذين كان يتلقى ثانيهما التهاني , بينما يتلقى الأول المواساة ,أو زعم تلك المواساة للاستفسار عن سبب الإقالة الذي تسرب وانتشر كالنار في الهشيم ,وأصبح حديث كل المجالس ودونما حاجة لوساطة الصحافة. فجرى التراجع عن الإقالة.

ولكن الصحافة الإلكترونية عادت ونشرت القصة بتفاصيلها ولكن بصورة "مرمزة" فيما يخص بعض الأسماء, وقالت إن محاولات رئيس هيئة مكافحة الفساد استدعاء " مسؤول عن مؤسسة خدمية مدنية كبرى كانت السبب الحقيقي لقرار الحكومة إحالته إلى التقاعد" .. مضيفة التفاصيل المتداولة عن كون " مرجعية عليا " تدخلت وطلبت من الحكومة "إيقاف" رئيس الهيئة , وذلك بعد أن طلبه " المسؤول سابق الذكر" للتحقيق معه في ملفات فساد كبرى. ووصل بالموقع الإلكتروني أن ينقل عن تلك "المرجعية العليا " ما جرى تداوله من قولها لرئيس هيئة مكافحة الفساد " أنت معنا ولا لأ ؟ (فلان) معنا , ما تقرب عليه" .. ويختتم الموقع الإلكتروني بسؤال مدير الهيئة عما إذا كانت هنالك صفقة ما , جرى بموجبها إبقاؤه في منصبه ؟؟.

ولم نسمع أي رد رسمي يفند أيا مما نشر أو ينفيه , لا من الحكومة ولا من رئيس هيئة مكافحة الفساد .. وأول ما صرح به بعد هذا كان خبر إحالة الموظفين الأربعة عشر بتهمة اختلاس ثلاثين الف دينار على امتداد سنتين , أي ( بقسمة تقريبية في غياب التفاصيل) بواقع ألفين لكل واحد للسنتين , أي ألف دينار لكل سنة .. مما يطرح تساؤلا مشروعا عما إذا كان المقصود بهذا الإعلان تحسين صورة الهيئة ورئيسها بتقديم أكباش فداء بديلا لحيتان فساد يتداول الناس والصحافة مجريات فسادهم التي تحسب بعشرات وحتى مئات الملايين .. ف"المؤسسة الخدمية" التي جرى كف يد هيئة مكافحة الفساد عن محاسبتها, والتي تجبي مواردها من جيوب المواطنين , تعلن أن عجز موازنتها لهذا العام "مئة مليون" دينار, لا أقل .. بينما رواتب مسؤوليها ومستشاريها فلكية بكل المعايير , وتحدد بمزاج رئيسها ولا يحكمها أي كادر وظيفي أو نظام مالي مما يعتمد في الدولة.

وهذه الرواتب تفوق كثيرا حتى رواتب رئيس وأعضاء هيئة مكافحة الفساد وامتيازاتهم التي تعد بألوف الدنانير شهريا وتساوي رواتب وامتيازات الوزراء لا أقل.

وسنترك هنا الحديث عن صفقات الفساد التي قد تكلف واحدة منها مجموع هذه الرواتب, ونتحدث في " فقه " الرواتب لما له من علاقة جذرية بموضوعنا اليوم . فما يقال في تبرير رواتب وامتيازات رئيس وأعضاء هيئة مكافحة الفساد - وهي وجهة نظر مقبولة ومطبقة عالميا ونحن نؤيدها - أنها لدرء أية حاجة, ولو كانت كمالية , قد تدفع المسؤول عن مكافحة الفساد أو أي مسؤول آخر عن مال عام أو خاص ( كالوزراء والنواب ) أو بمن يحكم بالمال العام والخاص ( كالقضاة ) للفساد بالرشوة أو بمد يده لذلك المال بأية طريقة .. ولكن ماذا عن رواتب الموظفين الأربعة عشر التي تتراوح ما بين مئتين وثلاثمئة دينار شهريا ( بحسب معدل رواتب الموظفين الحكوميين) , وإلى أي حد تكفي لضرورات غذاء وكساء وإيواء وعلاج وتعليم أبنائهم بالحدود الدنيا اللازمة لعدم موت او تشريد او تجهيل هؤلاء , لا أكثر ؟؟.

هذا أمر لا يجري أي تساؤل عنه إلا بمقدار ما سيعود منه لجيب الحكومة على شكل ضرائب , بدليل أن الحكومة مدت يدها ثانية قبل يومين لجيوب هؤلاء الموظفين بزيادة كبيرة في الضرائب على سلع أساسية كالبنزين , في حين لم تزد ذات الضريبة على "السيجار" سوى ثلاثة بالمئة , أي بنصف نسبة الرفع التي طالت البنزين الشعبي .

وهنا يحسب للموظفين الأربعة عشر أن الألفي دينار متوسط حصة الواحد منهم على امتداد سنتين من الاختلاس ( والتي لا تصل لنصف راتب شهر لوزير او عضو هيئة مكافحة فساد ولعُشر راتب مسؤول درجة ثانية في المؤسسة الخدمية المدللة المذكورة أعلاه ) لم يختلسها هؤلاء من جيب المواطنين " مهدودي" الدخل مثلهم ,والذين يمثلون غالبية زبائن المؤسسة الاستهلاكية المدنية .. فلا بضاعة فاسدة سربوها ولا أسعار جرى التلاعب بها .

هم متهمون تحديدا بأنهم " تلاعبوا بالسلف وتكرار المطالبات لعمال النظافة والتحميل وتقديم المطالبات الوهمية" ..أي انهم من جانبهم قاموا بزيادة مخصصات الكادحين في قاع السلم , تماما كما تزيد الحكومة مخصصاتها من جيوب الناس من جانبها وبقوانين ضريبة تصدرها هي بعد تغييب سلطة الشعب التشريعية ورقابته عليها .. واللافت أن الحكومة شعرت حتى بتلك الزيادة الطفيفة على قوائم فواتير تحوي الواحدة منها ما يعتبر أقل من الفكة في أصغر حساباتها , ودققته !! حكومة حريصة لا يفوتها "دبيب نملة" من هذا النمل الذي تمر عليه بجيوش مترفيها !!.

أسلّم بأنه لا شيء من هذا يبرئ المتهمين إن كانوا قاموا بما اتهموا به , ولكنه يبرره , وربما بما يزيد عن إسقاط العقوبة , ناهيك عن وجوب تحسين دخول المعوزين منهم بما لا يحوجهم للسرقة. فقبل قرن ونصف من الزمان , وحين لم تكن هنالك منظومة حقوق إنسان دولية ولا حقوق عمال ولا أية حقوق سوى حقوق الحكم المطلق وحقوق الإقطاعيين في امتلاك الأرض ومن عليها.. كتب فكتور هيجو رائعته " البوساء" التي تتحدث عن سرقة رجل لرغيف خبز لإطعام أهله الجياع, فهزت ضمير العالم ومهدت كما لم يمهد كتاب آخر , لعهد حقوق الإنسان في الغرب .

أما نحن , فقد سبقناهم بأربعة عشر قرنا ونصف القرن . فعمر بن الخطاب , الذي لقب " بالخليفة العادل ", أوقف حد السرقة في عام الرمادة . وهذا هو "عام الرمادة " بامتياز , والأردنيون لهم تسميتهم التاريخية له منذ عقود , وهي " سنة سمير.. " , نسبة إلى جد الرئيس الحالي حين تولى رئاسة الحكومة لأول مرة , وقد عادت للتداول بكثافة شفاهة وفي الصحافة أيضا.

وما يجري الآن يتجاوز الإفقار إلى التهلكة . فقد جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم:" إن ما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه , وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد".

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان