آراء حرة

قانون الحق في الوصول الى المعلومات خيرٌ لابد منه

قانون الحق في الوصول الى المعلومات خيرٌ لابد منه

وائل إبراهيم بعلوشة*

تتعدد المداخل التي تساهم في تقوية وتمتين العلاقة بين الدولة ومواطنيها، تكمن إحداها في إبقاء المواطن على اطلاع دائم بالطريقة التي تدير بها الدولة مواردها المتاحة، مفصحة بذلك عن خططها والموازنات ذات الصلة بالإدارة العامة.

تدرج المواثيق الدولية الحق في الوصول الى المعلومات على سلّم الحقوق السياسية والمدنية، وبذلك تنتقل مسألة الإفصاح عن المعلومات من كونها أمراً طوعياً تمارسه الحكومة في حال رغبت في ذلك، الى أمر واجب النفاذ، ينبغي تنظيمه بقانون ملزِمْ لكل من له علاقة بالإدارة العامة، وبالإفصاح عن المعلومات وعدم احتكارها ومنع تدفقها.

عودة للنقطة الأولى، يبرز التساؤل التالي: لماذا يعد الإفصاح عن المعلومات مدخلاً لتقوية العلاقة بين الدولة والمواطنين؟ يمكن الحديث هنا، أن المصلحة الفضلى للطرفيين تقتضي بتسهيل تدفق المعلومات وعمليات الوصول لها. قد يسأل البعض، ما مصلحة الحكومة في إتاحة المعلومات أمام المواطنين؟ بإمكان الحكومة جني ثمار جمة وتحقيق منافع كبيرة تحصيلاً لذلك. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تستطيع الحكومة الحصول على نصائح وتوصيات وخبرات مجانية من خارج السلك الحكومي، كالباحثين والأكاديميين والمختصين في مجال ما، وتعظيم الفائدة من النقاش الذي يدور حول قضية ما، وستتصف "بالشفافية" لإبقائها المواطن على اطلاع دائم بالموارد المتاحة ومشاركتها إياه بطرق إدارتها، وسيسهل عليها بذلك إقناعه بالقرارات التي تتخذها والإجراءات المترتبة من ذلك، مقللة بذلك الجدل الذي قد يحوم حول الكثير من القضايا، وموفرة ببساطة فهماً أعمق للمواضيع، وواضعة الحد أمام  فرص المنتفعين من حجب المعلومات، واستغلالها في التضليل بغية تحقيق مصالح خاصة على حساب الصالح العام.

وعلى صعيد آخر، وأقصد هنا الفائدة التي سيجنيها المواطن من التمتع بحقه في الحصول على المعلومات، فيمكن تقييمه من خلال الجهد اليسير الذي سيبذله لمتابعة الأداء الحكومي، ما سيمكنه من مساءلة أكثر فعالية في ظل تفعيل مبدأ الشفافية. وعلى صعيد آخر، فإن المكاشفة مع المواطن، ستفتح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني للاشتراك في الرقابة بفاعلية أكبر على الشأن العام، وهي إحدى أبرز الأدوار التي أنشأت لأجلها هذه المؤسسات، كما ستتاح الفرصة أمام الإعلام للقيام بدوره الطبيعي أيضا.

وبهذا ستصبح عملية الإفصاح عن المعلومات مصلحة مشتركة لطرفي العلاقة، وهما: الدولة والمواطن، وستكون الثقة، بتفاوتها، ملازمة على الدوام، وعنصراً لا بد من وجوده في المعادلة بينهما.

ومن الملاحظ خلال السنوات السابقة، أن مفهوم الحق في الحصول على المعلومات أصبح أكثر قبولا وتداولا، بل نجد أن هناك تطوراً على مستوى الممارسة، حيث شهدنا العديد من المؤسسات التي تبذل جهداً محموداً في الإفصاح عن المعلومات عبر نشرها للتقارير الدورية، وتحديثها للمعلومات على مواقعها بشكل دائم، الأمر الذي قد يتفاوت بين مؤسسة وأخرى، الا أنه تجدر الإشادة به وتشجيعه من أجل استنساخ تجارب مماثلة، ولكي تحذو حذوه المؤسسات الأخرى.

ولكن، تبقى هذه الجهود محدودة بالمقارنة مع ما هو مطلوب، ويعود هذا الأمر لعدة أسباب، يتمثل أبرزها وأهمها: في عدم وجود قانون ينظم عملية الوصول الى المعلومات. ولكي تتحقق المصلحة الجماعية، يتوجب الإقدام على إقرار هذا القانون، على أن يكون قانوناً عصرياً، يتلاءم مع المستجدات العصرية التي تحدث في العالم في خضم الثورة المعلوماتية والايقاع السريع، حيث لم يعد هناك مبرراً لاحتكار المعلومات، كون ذلك سيزيد -بما لا يدع مجال للشك- من التأويل والتفسير المبني على التخمين والتوقع، وقد يصل حدّ التشكيك في بعض الأحيان. فيما ستضمن الإتاحة وصول معلومات موثقة ومدققة للمواطن، بعيداً عن موضوع التشكيك والتأويل. وبالاطلاع على حال الكثير من الدول التي أتاحت المعلومات، وجعلتها في متناول الجميع، سنجد أنها باتت في مصاف الدول التي تمارس الحكم الرشيد.

وعلى صعيد الواقع الفلسطيني، وتحديداً في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها السلطة الوطنية الفلسطينية، المتمثلة في قرصنة الاحتلال لموارد السلطة، والحصار الذي يمارسه في تطويق الموارد وشحّها، وتراجع التمويل الدولي، يجعلها أحوج ما يكون لاطلاع المواطن على كافة المعلومات ذات الصلة بآلية إدارة السلطة لمواردنا المتاحة وخططها ذات العلاقة، حتى ينتقل المواطن من مُرَبّع المتسائل لموقع المتفهّم، بل والمدافع عن موقف السلطة الفلسطينية.

نستنج جميعا، أن إقرار قانون الحق في الوصول الى المعلومات مصلحة يجب الهرولة نحوها بجدية، من خلال الاستجابة لطرح المجتمع المدني الذي دام أكثر من 16 عاماً، حيث اجتهدت بعض المؤسسات ليس فقط بالضغط نحو إقراره، بل وضعت بين يدي جهات الاختصاص مقترحات يمكن أن توصف بأنها بنّاءة وعملية وقابلة للتطبيق، ما يجعلنا تساءل: لِمَ هذا التباطؤ في إقرار قانون الحق في الوصول الى المعلومات، وهو خيرٌ لابد منه؟!

 

* وائل إبراهيم بعلوشة، مدير المكتب الإقليمي لائتلاف أمان في قطاع غزة، حاصل على ماجستير في الدراسات الإقليمية من جامعة القدس/ أبو ديس، وبكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة الأزهر. مهتم بدراسات العقد الاجتماعي وشؤون الحكم.

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان