آراء حرة

مكافحة الفساد!

مكافحة الفساد!

بقلم :عزام توفيق ابو السعود

خضت قبل اسبوعين تجربة جيدة ، وذلك عند مشاركتي في مؤتمر مكافحة الفساد الذي عقدته منظمة الشفافية الدولية في برلين عاصمة ألمانيا.. فقد سمعت كثيرا من قصص الفساد التي تتم في كثير من دول العالم ، واستمعت الى تجارب عدد من مؤسسات الشفافية الأهلية الموجودة في معظم انحاء العالم ، كيف يكافحون الفساد وبأي أسلوب يكافحونه ..

ولعل أكثر التجارب التي شدتني كانت في احدى الدول التي تتبع فيها صحفي " غلباوي"  المال الذي نهب من اموال شعبه، والطرق الطويلة والمتعددة الاطراف والدول التي يمر بها المال الفاسد المنهوب من ثروة البلد، حتى يستقر ويستثمر في بلاد الغرب التي تدعي الديمقراطية، وتساعد الشعوب الفقيرة، وتحارب الديكتاتوريات كما في مبادئها المعلنة، والتي تبدو فيها وكأنها حامية للشعوب المغلوبة، وفي واقع الأمر فهي تحتضن أموال هذه الشعوب المقهورة، والتي سلبها حكامها او المتنفذين فيها واستقرت في الغرب ، تدعم اقتصاده، وتجعله أكثر ثراء وقوة! هذا الصحفي الغلباوي توصل في النهاية الى معرفة الشركات والعقارات والاصول الأخرى المنقولة وغير المنقولة التي استثمر فيها حاكم بلده مليارات من الدولارات ، بعضها باسمه، وبعضها باسم افراد اسرته! هذا الصحفي الغلباوي عمل تحت نظرية: تتبع المال المنهوب أولا قبل أن تتبع او تثور على حاكم فاسد!
ثوراتنا العربية ضمن الربيع العربي المسلوب، قامت اساسا من فقر الشعوب، وكبر ثروة البلد التي يعيشون فيها، فالحكام سرقوا  ثروة شعوبهم ، ولم يحّسنوا وضع بلادهم وشعوبهم ليعيدوا توزيع هذه الثروة فتستفيد منها الشعوب وتعيش في رفاهية وبحبوحة من العيش، فقد تخلص الليبيون من القذافي، لكنهم لم يعثرا حتى الآن على ذهب القذافي، أو اموال ليبيا وأرصدتها الحقيقية التي أخفاها القذافي ولم يبح بها لأحد، قُتل القذافي قبل ان يقول أين المال الذي سرقه من ليبيا. كذلك لم يجدوا ما قالوه لنا عن مليارات بن على او حسني مبارك او علي صالح...
وبلاد الغرب، تعرف أكثر مما نعرف عن ثروة ، ومكان وجود ثروة، جميع قادة العالم، فالمخابرات الأجنبية تعمل في كل مكان، وتعرف كل شيء، تلك الدول الغربية بشكل عام، وبعضها بشكل خاص سمحت بادخال تلك الأموال الى أراضيها، وهي تعرف، او يمكنها أن تعرف البنوك التي وصلت اليها الأموال ، وكيف وصلت، وما هو مصدر هذا المال، وأين يستثمر، لكننا لم نسمع عن استعداد دول الغرب هذه لإعادة هذه الأموال الى الشعوب التي نهبت منها .. والذريعة المعروفة دوما، هي سرية الحسابات الشخصية وسرية العمل البنكي، وعدم وجود قوانين محلية او دولية تجبرها على اعادة الأموال المسروقة!
القوانين الغربية تمنع الرشوة في العقود التجارية اذا ما تمت في بلادها،  وهو مبدأ اخلاقي تنص عليه جميع القوانين في كل البلاد، لكن تلك الدول الغربية أجازت الرشوة في العقود الخارجية مع دول أخرى، فشركة أجنبية تدفع رشوة كبيرة لزعيم دولة ما، أو وزير من دول العالم الثالث مقابل حق امتياز، او عقد لتوريد بضائع ، هذا النوع من الرشوة لا تعارضها دول الغرب، " تغرش عنها " وربما تشجعها أيضا ، رغم أنه فساد واضح  وغير أخلاقي ولا تجيزه الدول داخل دولتها!!! فعن أي أخلاق نحن نتحدث؟
وحول الفساد في القطاع الخاص، حدث ولا حرج، ذلك أن الرشوات الكبيرة ، غالبا ما يدفها كبار رجال الأعمال لكبار المسئولين او المتنفذين في البلاد ، مقابل حصولهم على عقود تجارية او تعدينية او خدماتية او صناعية  أو امتيازات أخرى، متجاوزة مبدأ التنافس الشريف ، الهادف الى الحصول على أفضل الشروت والنوعيات بأقل الأسعار، فالرشوة  تعكس كل هذه المفاهيم بشكل هو عين الفساد وقلة الأخلاق !
بعد بضعة أيام ، سينعقد المؤتمر الخامس للدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ويتبلور لدى شبكة تحالف المنظمات الأهلية العربية التي وقعت على هذه الاتفاقية، بيان توجهه للحكومات التي وقعت هذه الاتفاقية، تطالبهم فيه  بتجميد الأموال التي جرى تهريبها من قبل مسئولين عرب الى بلادهم، ومحاسبة المسئولين الذين سمحوا بادخال هذه الأموال التي تثير الشبهات الى تلك الدول، والتعاون ضمن نظام معلومات مع الدول الأخرى التي تحقق في سرقات مسئوليها وتهريبهم لأموالهم خارج بلادهم.. وتسليم المجرمين بجرائم فساد في بلادهم لبلدانهم،  هؤلاء يعيشون برفاهية ويستمتعون بالمال المسروق في دولة أخرى موقعة على اتفاقية مكافحة الفساد الدولية! وأخيرا تعويض الشعوب التي استعملت الشركات الأجنبية الرشوة للحصول على عقود فيها... فهل ستستجيب تلك الدول والحكومات لمطالب منظماتنا الأهلية؟
في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، انتشرت في بعض البنوك الأجنبية حسابات الأرقام .. فلا يعرف اسم صاحب هذا الحساب للبنك .. ولا شك أن كثيرا من مسئولي دول العالم الثالث وضعو اموالهم الفاسدة التي جائت من رشاوي او سرقات مباشرة في هذه الحسابات الرقمية، كثير من هذه الحسابات تم اغتيال اصحابها، او ثارت عليهم شعوبهم، او اعتقلوا في بلادهم بتهمة السرقة .. كثير من هؤلاء لم يستمتعوا بالمال الذي نهبوه، وبقي رصيدا كبير في حساب رقمي ، يتزايد بالفوائد في البنوك  ولا أحد يطالب به .. 
السؤال المطروح ... أن أرصدة الحسابات البنكية  التي لا يطالب بها اصحابها يتم تجميدها في البنوك .. بعض هذه الحسابات والارصدة الرقمية أو المجمدة عمره يزيد عن اربعين او خمسين سنة.. ما هو وضعها القانوني ؟ وهل يمكن استخدامها لخدمة وتنمية شعوب الدول التي سرق مقدراتها قادتهم وسياسييهم !
أخيرا ما هو وضعنا نحن في مكافحة الفساد؟ هل يشعر المواطن الفلسطيني أن الجهود، سواء على مستوى الحكومة أو منظمات المجتمع المدني أو القطاع الخاص، هي جهود تقنع المواطن الفلسطيني بأننا نكافح الفساد بصورة جادة، وأننا نتتبع الأموال المنهوبة بصورة يشعر بها المواطن ويقتنع بأننا نقوم بواجبنا في مكافحة الفساد واعادة استرداد أموالنا المنهوبة؟ ... مجرد سؤال!!!

**المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي أصحابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي أمان