آراء حرة

هل أخطأت الهيئة المستقلة في التعليق على حكم قضائي
هل أخطأت الهيئة المستقلة في التعليق على حكم قضائي

 

بقلم ماجد عاروري

تلقيت دعوة لحضور ورشة عمل تتعلق بمناقشة تعليق خبير القانون الإداري الدكتور علي الشنطاوي بخصوص قرار محكمة العدل العليا رد دعاوى المعلمين المفصولين من الوظيفة العمومية بسبب عدم الاختصاص، وحين توجهت إلى الورشة كانت من حيث الترتيب والحضور أشبه بمؤتمر صحفي، حيث دعيت العديد من وسائل الإعلام لتغطية وقائع الورشة، والبعض حضر لبثها بصورة مباشرة، وجرى خلال الورشة نقاشات وآراء اتخذت مناحٍ عديدة بعضها كان يتعلق بقرار المحكمة والبعض الآخر خرج عن الموضوع نصاً وروحاً.

المقدمة التي بدأ بها مفوض عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان الورشة كانت متزنة، وحاولت أن تحدد مسار الورشة وهدفها، بما لا يمس بالقضاء واستقلاله وحياده. وفي جوانب متعددة أشاد المفوض العام بنزاهة القضاء الفلسطيني وقراراته، وبعد ذلك طلب من أحد محامي الهيئة تقديم عرض لمضمون تعليق الشنطاوي.

الجانب الذي يهمني في هذا المجال ليس ما خلص إليه التعليق بأن قرار الأغلبية في هيئة المحكمة فيما يتعلق بقرار رد دعوى قضية المدرسين كان خطأً، وتأييده لقرار الأقلية، فلا أحد يختلف أن القضاة قد يخطئون ليس في فلسطين فحسب، بل في كل أنحاء العالم، والذي يقرر أن المحكمة أخطأت هو الهيئة القضائية الأعلى التي يتم التوجه إليها للطعن بقرار المحكمة الأقل درجة، وقد بدأت العديد من قرارات محكمتي الاستئناف والنقض في فلسطين بعبارة أن المحكمة أخطأت، وهذا لا يعيب المحكمة أو النظام القضائي بل يعزز ثقة المتقاضين بالنظام القضائي ويشعرهم بتحقيق العدالة حتى لو أخطأت هيئة المحكمة بقرارها. لكن بأي حال من الأحوال لا يجوز أن يعلق المحامون والمتخاصمون على قرارات المحكمة لا ذما ولا مدحاً، والكلمة الوحيدة التي تقال في مثل هذا المقال نحترم قرار المحكمة.

هل هذا يعني أن القرارات القضائية منزهة عن التعليق عليها؟ الإجابة على ذلك قطعاً لا. فالقرارات القضائية يمكن التعليق عليها، لكن بضوابط، وهذه الضوابط حددها فقهاء القانون، وأصبحت مساقات تدرس في كليات الحقوق في عدد من جامعات العالم، ومن الشروط التي حددها الفقهاء، وهنا أقتبسها "أن يكون التعليق صادرا من شخص متخصص، وأن يتناول حكماً استنفدت طرق الطعن عليه، تفادياً لمظنة التأثير على قضاء الطعن، وألا يناقش التعليق إلا المبادئ التي شيد عليها الحكم بناءه دون أدنى تعرض للهيئة التي أصدرته أو التفتيش في خبايا النوايا أو مكنون الضمائر، وأن يتم التعليق من خلال مطبوعة قانونية متخصصة"..

المتفحص لما جرى يصل إلى نتيجة فحواها أن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان استوفت شرط أن يكون التعليق قد صدر من شخص متخصص، وراعت شكلاً أن القضية قد استنفذت كل وسائل الطعن فيها، إلا أنها لم تراعي ذلك ضمناً. فمقصد شرط أن تكون القضية قد استنفذت كل وسائل الطعن هو عدم التأثير على قرار القاضي، وهنا مست الهيئة هذا المبدأ كونها تعلم أن هناك قضايا أخرى تتعلق بنفس الموضوع أمام المحكمة، ونشرها للتعليق من شأنه أن يؤثر على قرار القضاة، وهذا يمس باستقلال القضاء، وبالتالي وقعت بالخطأ، فأحد القضاة أبدى انزعاجه وقال أنا أحجم عن المشاركة في أي هيئة تشكل لمناقشة باقي القضايا، فقد أصبح لدي رأي قبل أن أنظر حتى في الملف، وبالتالي أضر نشر الرأي في وقت تنظر فيه المحكمة بقضايا من ذات الموضوع بتحقيق العدالة.

والجانب الآخر الذي خالفت فيه الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان قواعد التعليق على الأحكام القضائية هو عدم نشرها للتعليق في مجلة قضائية متخصصة ولجوءها إلى نشر هذا التعليق خلال ورشة مفتوحة أمام وسائل الإعلام، وتقديمها لمضمون هذا الرأي بطريقة مقتضبة حملت جوانب فهم مختلفة من قبل المشاركين في النقاش، كانت صورته في بعض الأحيان مشوهة، وهذا أمر لا أعتقد أن شخصاً جليلاَ بمكانة الدكتور علي الشطناوي يقبل به، فهو للأمانة راعى من جانبه قواعد التعليق العلمي على الحكم القضائي، لكن من استخدم هذا التعليق لم يراعي باقي الشروط حين عرض الرأي.

إن قواعد العدالة هي تحقيق الطمأنينة في نفوس المتقاضين، وفلسفة علنية المحاكم، هي تحقيق هذه الغاية، وهناك جوانب يجوز رقابتها والتحقق منها حتى نطمئن بأن لدينا قضاء نزيها وعادلا، وأبرز ما يمكن رقابته والتحقق منه هو مدى توفر مبدأ ضمانات المحاكمة العادلة في كل المحاكمات التي تجري، فإذا اختل هذا الشرط وجب على كل الجهات الحريصة على استقلال القضاء الخروج إلى العلن والقول بصوت مرتفع وواضح أن ضمانات المحاكمة العادلة ممسوس بها، ويجب التدخل لضمانها، ولا يشكل ذلك مساً باستقلال القضاء.

كما أن العمل الإداري المواكب للعمل القضائي يجب أن يكون مفتوحا للرقابة والتعليق، فهو ليس محصنا من التعليق كما هو الأمر بقرارات المحاكم، وفي هذا المجال يمكن مراقبة مدى التزام القضاة بعملهم، أو طريقة تعاملهم مع الجمهور، وطول أو قصر إجراءات التقاضي وغير ذلك من الإجراءات ما دام ذلك لا يستهدف الحكم القضائي. إن هذه الأمور ليست منزهة عن التعليق كونها تتناول جوانب إجرائية، ولا تتعلق بالحكم القضائي.

عمل مجلس القضاء الأعلى ودوائره أيضاَ ليست محصنا عن المراقبة والتقييم، فهي دوائر عمل إداري يمكن أن يقيم أداؤها ويقاس مدى مساهمته في تعزيز استقلال القضاء.  كما أن تعامل السلطات الأخرى مع السلطة القضائية أمر وجب مراقبته وتقيمه، خاصة فيما يتعلق بتدخل السلطة التنفيذية بعمل القضاة، أو ممارسة ضغوط أو محاولة ممارسة ضغوط على القضاة. إن مثل هذه التدخلات هي أعمال يجب التصدي لها بقوة وحزم، كما يجب أن تراقب السلطة التنفيذية إن كانت توفر للسلطة القضائية كل مقومات الاستقلال، وفي مقدمة ذلك موازنة  مستقلة كافية لكل احتياجات القضاء دون تدخل في شؤون القضاء.

إن مراقبة هذه الجوانب هو مهمة مؤسسات حقوق الإنسان، ويمكننا في النهاية من الحكم إن كان لدينا نظام قضائي مستقل أم لا، وفي حال عدم توفر مثل هذا النظام، يصبح مشروعاً للمجتمع أن يطالب وبكل الوسائل التي كفلها القانون بأن يكون لدينا قضاء مستقل.

أعتقد أن علينا أن نميز بين المجالات التي يمكننا أن نراقب فيها المحاكم والقضاء وهي متاحة وواضحة، وبين المجالات المحصنة والتي لا يجوز أن نقع فيها مثل التعليق على الحكم القضائي، ما لم يكن تعليقاً علمياً التزم بكل الضوابط التي ذكرناها سلفاً.

إن عدم لجوء مجلس القضاء الأعلى لأي إجراءات بحق من يخالفون القانون في تعليقاتهم على قرارات المحاكم، هو أمر يحسب لصالح القضاء الفلسطيني، الذي أدرك منذ أن وقع مذكرة تفاهم مع مؤسسات المجتمع المدني أن هذه المؤسسات تشكل عوناً له في الدفاع عن استقلاله، وبالتالي قفزه عن ملاحقة بعض المخالفات القانونية الماسة به يأتي في هذا السياق، وليس في أي سياق آخر.

إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه بعد قرار محكمة العدل العليا بخصوص قضية المدرسين، أن المطلوب هو قضاء إداري من درجتي تقاض، فبقاء القضاء كما هو من درجة واحدة لا يمكن أن يحقق العدالة فيما لو أخطأ القضاة بقرارهم.  كما أن تحقيق العدالة لا يقتصر على القضاء فحسب، بل بإمكان الحكومة الفلسطينية أن تعيد النظر في قرارات فصل المدرسين ما دام قرار المحكمة رد الدعوى لعدم الاختصاص ولم يبحث بالموضوع فهي بذلك لم تلغي حقاً لأحد ولم تثبته لأحد.