الحاجة لعقد اجتماعي جديد بين الشعب والمؤسسة الأمنية الفلسطينية
الأربعاء | 05/09/2018 - 11:15 صباحاً

بقلم الدكتور عمر رحال: سكرتير المنتدى المدني لتعزيز الحكم الرشيد في قطاع الأمن

تختلف الجيوش والمؤسسة الأمنية باختلاف المراحل التاريخية، ودرجة التطور الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات، هذا إلى جانب بنية الجيش الاجتماعية وغيرها.

ومع ذلك، هناك سمات مشتركة، ولكنها ليست قانون أو نظرية، وهي أن الجيش بوصفه وسيلة للترقي الاجتماعي الاقتصادي في مجتمعات فلاحية، إذ أصبحت العسكرية في الدول النامية والمستقلة حديثاً، المسار الرئيسي لتقدم أبناء الفلاحين وأصحاب المهن صعوداً على السلم الاجتماعي، وذلك بعد أن كانت البنى التقليدية وثقافتها تحدد مسار حياتهم، وتقرر مصائرهم سلفاً وتمنعهم من تغيير مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية.

من المعلوم والمعروف أن هناك وظائف للدولة، ولأي دولة في العالم ومن ضمن هذه الوظائف هي تقديم خدمة الأمن للمواطنين من قبل المؤسسة الأمنية، واليوم ينظر للأمن على أنه خدمة: كالتعليم والصحة والضمان الاجتماعي... الخ.  ولكن من المهم أن تقدم هذه الخدمات على أساس الحيادية والنزاهة والشفافية، باعتبارها حقاً من حقوق الإنسان، وليست منّة من النظام السياسي.

في الحالة الفلسطينية، لم تتشكل ولم تتبلور الأجهزة الأمنية الفلسطينية من خلال سياق طبيعي، فقد جاءت نتيجة تحول تدريجي من مؤسسة الثورة والشرعية الثورية إلى مؤسسات السلطة (الشرعية الدستورية) على ضوء اتفاقات أوسلو، وبشكل محدد البرتوكول الخاص بموضوع الأمن والأجهزة الأمنية، والذي يحدد دورها في مجال حفظ النظام العام ومكافحة الإرهاب والعنف. هذا يعني أن المؤسسة الأمنية الفلسطينية، لم تتشكل في سياق طبيعي، هذا من جهة، ومن جهة ثانية وهي الأهم والأخطر، أنه لا يوجد إجماع بين الفلسطينيين على وظائفها ومهامها. فمن الناحية العملية، هناك أربع وجهات نظر فلسطينية حول المؤسسة الأمنية، فهناك من يرى أنها نواة الجيش الوطني، وهي حامية للمشروع الوطني، وهذه النظرة تتبناها السلطة الوطنية ومعها حركة فتح وحليفاتها من الفصائل الأخرى.

وهناك من يرى أنها إحدى إفرازات اتفاقية أوسلو، وأنها أداة من أدوات القمع تستخدمها السلطة ضد معارضيها، وأنها جاءت نتاج إتفاق فلسطيني – إسرائيلي، وهذه النظرة تتبناها بعض قوى اليسار وقوى الإسلام السياسي. كما ينظر لها على أنها أجهزة منتهكة، وقامعة للحقوق والحريات، وهي نظرة تتبناها بعض مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية. أما رابع وجهة نظر، فهي تلك التي تنظر للمؤسسة الأمنية على أنها مصدر إسترزاق ووظيفة ( مظبية)، وهذه النظرة في أغلبها نظرة مجتمعية فردية .

صحيح أن الجيش والمؤسسة الأمنية في مختلف دول العالم وخصوصاً في دول العالم الثالث تعمل وفق مصالحها، وهي تميل إلى تصوير مصالحها في مراحل الانتقال كأنها مصالح وطنية عامة. ذلك يرتبط إلى حد كبير بالعقيدة الأمنية والعسكرية للمؤسسة الأمنية، والسؤال هنا: من الذي يصوغ العقيدة العسكرية والأمنية للمؤسسة الأمنية في فلسطين. هل المؤسسة التشريعية الغائبة، أم القانون الأساسي، أم قيادة الأجهزة. أم السيد الرئيس باعتباره القائد الأعلى لقوى الأمن؟ 

بلا أدنى شك أن هناك تحديات كبيرة اليوم تواجه المؤسسة الأمنية الفلسطينية، هذه التحديات بحاجة إلى وقفة جادة للمراجعة واستخلاص العبر، للانطلاق نحو المستقبل. أولى وأهم هذه التحديات أن عقيدتها الأمنية والعسكرية ما زالت ملتبسة ومثار جدل مجتمعي، هذا إلى جانب أن عدم وجود إجماع فلسطيني على السياسة الأمنية الفلسطينية من حيث مفهومها منطلقاتها ومرتكزاتها وفلسفتها وأهدافها وعناصرها، وهذا نابع بالأساس من الرؤى المختلفة لمكونات النظام السياسي الفلسطيني، استناداً إلى التحالفات الداخلية والخارجية وإلى البرنامج السياسي، وأيضاً إلى المنطلقات الفكرية والأيدلوجية.

أما خارجياً، فإن هناك لاعبين إقليميين ودوليين، وبالتالي لا يمكن أن نتصور أن هناك سياسة أمنية فلسطينية مستقلة بمعزل عن المؤثرات الخارجية والداخلية خصوصاً الإسرائيلية، لأنها المعنية الأولى من الناحية الجيو إستراتيجية بأي تطورات فلسطينية داخلية، وحتى لو رغبت السلطة الابتعاد أو التحلل نسبياً من الاتفاقيات في وضعها للسياسات الأمنية، ذلك أن "إسرائيل" لن تسمح بذلك، لسببين، الأول: أن ذلك هو خرق الاتفاقيات الثنائية، وثانياً: لأن ذلك يعتبر أيضاً من وجهة النظر الإسرائيلية بأنه مسّ وتهديد لأمن "إسرائيل".

أعتقد أن هناك حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى لعقد اجتماعي جديد بين الشعب والأجهزة الأمنية، تقدم الأجهزة الأمنية نفسها كأجهزة حامية للحقوق والحريات ضامنة للاستقرار والأمن. وذلك من خلال تعزيز الحكم الرشيد في عملها، وتطوير وبلورة إستراتيجية وطنية فلسطينية لقطاع الأمن، ومشاركة مؤسسات المجتمع المدني للمساهمة في بلورة السياسات العامة المتعلقة بعمل المؤسسة الأمنية، كذلك المساهمة في تطوير آليات التواصل والانفتاح بين المجتمع المدني والمؤسسة الأمنية، وتعزيز مبدأ حق المواطن في الوصول إلى المعلومات ذات العلاقة بما تقوم به المؤسسة الأمنية ضمن القانون. إضافة الى تفعيل الرقابة المجتمعية على المؤسسة الأمنية، والتأكد من فعالية نظم المساءلة الخاصة بها . لذلك نحن نتطلع إلى مؤسسة أمنية فلسطينية حامية للدستور، وللمؤسسات الدستورية وحامية للديمقراطية، تحترم حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، وليست مؤسسة أمنية حامية للنظام السياسي أو أنها أداة للحزب الحاكم.



المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي امان

البحث
 
 
 
 
  • بيئة النزاهة والشفافية والمساءلة في عمليات الشراء العام- قطاع غزة 2018
  • ورقة بحثية حول فاعلية منظومة المساءلة في متابعة قضايا حماية المستهلك
  • دراسة نظام النزاهة في هيئات الحكم المحلي بلدية جباليا - دراسة حالة
  • مؤشر الشفافية ومدى تطبيقه في أعمال الهيئات المحلية الفلسطينية
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم رسائلنا