الأحزاب السياسية ومكافحة الفساد
الإثنين | 09/01/2017 - 10:53 صباحاً

إدريس لكريني

أضحى تخليق الحياة العامة من ضمن المرتكزات التي تتأسس عليها الحوكمة، ذلك أن كسب رهان الديمقراطية والتنمية لا يمكن أن يتحقّق بصورة ناجعة وبنّاءة مع وجود مظاهر للفساد بصوره المختلفة.

تؤكد الكثير من الدراسات والأبحاث والتقارير الميدانية، أن تكلفة الفساد كارثية بكل المقاييس، على الدولة والمجتمع، وتصبح هذه الآفة أكثر خطورة عندما تتفشّى داخل بعض القنوات التي يفترض أن تواجهه، وتتصدى له، كما هو الشأن بالنسبة للقضاء، والإعلام، والأحزاب السياسية، الأمر الذي يطرح أهمية التخليق، بما يحيل إليه ذلك من تشاركية، وشفافية، ومسؤولية، ونزاهة، وترشيد، واحترام للقانون.

لم يعد مطلب التخليق رهاناً داخلياً فقط، بل أصبح أولوية دولية تفرضها متطلبات التنافسية والشفافية، وتشجيع الاستثمار وتعزيز التعاون والتنسيق العالميين في مختلف المجالات والميادين، وهو ما تترجمه تقارير التنمية في العالم التي تعتمد مستوى التخليق ضمن مؤشراتها الأساسية.

ممّا لا شك فيه أن مكافحة الفساد وترسيخ التخليق يسائلان الجميع، سواء تعلق الأمر بالدولة أو الأحزاب السياسية، والإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات التعليمية، والأسرة.

وتستأثر الأحزاب السياسية بمسؤولية كبيرة في هذا الصدد، فهي بمثابة «مدارس» مفترضة للتربية على الديمقراطية، ولترسيخ قيم المواطنة بعناصرها المختلفة. على مستوى التأطير والتنظيم، والسعي إلى تحقيق المصالحة بين المواطن من جهة والسياسة والشأن العام من جهة أخرى، أو على مستوى المرافعة أمام الدولة ومؤسساتها والتأثير في التشريعات والسياسات العمومية بصورة تدعم هذا المنحى.

وتشير الممارسة الميدانية في عدد من الدول المتقدمة، إلى أن طريق التخليق لم يكن سهلاً، بل اعترته الكثير من الصعوبات والتحديات، وواجهته العديد من المقاومات المضادّة، غير أن توافر إرادة سياسية حقيقية، وتكاثف الجهود، وتنامي الوعي المجتمعي بخطورة الظاهرة، كلّها عوامل كان لها الأثر الكبير في الحدّ من تنامي الفساد، وتطويق تداعياته المدمّرة.

ينطوي الفساد على مجموعة من الدلالات والمفاهيم، وهو يرتبط، سواء في شكله المالي، أو الإداري، أو السياسي، بسوء استعمال السلطة وتوظيفها في سبل تتناقض مع القوانين الجاري بها العمل.
فالفساد الإداري يقوم على تسخير السلطة لخدمة أهداف شخصية، أما السياسي فيقوم على الخداع وتزوير إرادة المواطن، فيما يحيل الفساد المالي بالسطو على المال العام والإثراء بلا سبب وتدمير الأسس الاقتصادية للدولة.

يكرّس الفساد سلوكات مشينة، تعكس الاستهتار بالقوانين، وهو يقضي على مظاهر الشفافية والمنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص، ويؤدّي إلى هدر الأموال والطاقات، ويقتل روح المبادرة والاجتهاد، ويعرقل مسارات التنمية، كما يفرز مظاهر من التهميش والفقر والشعور بالانتقام، ويسهم في هروب الرّساميل الأجنبية، وإضعاف الاستثمارات المحلية.

وتتعدّد أسباب الفساد، بين عوامل وخلفيات سياسية، في علاقة ذلك بانعدام الشّفافية في تدبير الشؤون العامة، وعدم فعالية المؤسسات السياسية والإدارية. وعوامل اقتصادية في ارتباطها بتفشي الرّيع وهشاشة الأوضاع الاقتصادية، وعدم قيام الأنشطة الاقتصادية على أسس المنافسة واحترام القانون، وأخرى اجتماعية، تتمثل في انتشار الفقر والبطالة، وغياب روح المواطنة، وسيادة أسبقية المصلحة الشخصية على العامة، والاستهتار بالقوانين وقلّة الوعي. وأخرى قانونية وإدارية متّصلة بضعف الرقابة على المال العام، وتفشّي التعقيدات الإدارية، وضعف القوانين وعدم مسايرتها للتطورات الاقتصادية والاجتماعية، وعدم استقلالية القضاء.

وتحظى الأحزاب السياسية باعتبارها أحد تجليات ومرتكزات الممارسة الديمقراطية، بمجموعة من المهام داخل المجتمعات، في علاقة ذلك بتمثيل المصالح المختلفة، والتعبير عنها، وتأطير المواطن وتنشئته، ودعم المشاركة السياسية والمساهمة في تدبير الشؤون العامة، وتطوير وتنمية المشاريع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وإعداد وتكوين النخب التي ستتحمل المسؤوليات في مختلف المجالات والميادين.

إن نجاح الأحزاب في القيام بهذه المهام على وجه سليم، يتطلب توافر مجموعة من الشروط والمقومات الذاتية والموضوعية، فعلى المستوى الذاتي، يتطلب الأمر وجود أحزاب قوية ومسؤولة، محصّنة بنخب ذات مصداقية، وببرامج حقيقية، كما يفرض أيضاً الحضور المستمر في عمق المجتمع، ومواكبة تحولاته، علاوة على اعتماد الديمقراطية الداخلية، وما يتصل بها من تجدّد للنّخب، وتوخّي الحرفية الشفافية في الأداء.

ثمّة سؤال محوري وجوهري يطرح نفسه بحدّة في هذا الصدد، وهو: ما مدى جدّية ونجاعة الأحزاب في التصدي للفساد بكل صوره، والسعي لتعزيز مبادئ الشفافية والمحاسبة داخل المجتمع، في الوقت تتنكر لها، هي نفسها، ضمن ممارساتها اليومية؟

لا يمكن المراهنة على أحزاب منخورة من الداخل في مواجهة هذا الخطر، فالمؤسسات الحزبية التي لا تدبّر ماليتها بشفافية، ولا تواجه نخبها الفاسدة بإجراءات صارمة وتدابير عقابية، تظل هشّة وغالباً ما تجعل من هذا المطلب مجرد شعار «انتخابي» لكسب التعاطف و«المقاعد»، ذلك أن فاقد الشيء لا يعطيه.

إن تخليق الحياة العامة يبدأ من تحصين الذات، واعتماد الشفافية والنزاهة كسلوك طبيعي داخل هذه القنوات، وعدم التسامح والتطبيع مع الفساد، وتوخّي الحذر والمسؤولية، والكفاءة، والمصداقية، في تزكية المرشحين للانتخابات، وتعزيز المشاركة السياسية التي تأكدت نجاعتها في تضييق الخناق على المفسدين.

تبقى الإشارة إلى أهمية توخي التّشاركية بين الدولة والمجتمع في التعاطي مع قضايا الفساد، وتجاوز الأحزاب السياسية لخلافاتها المطروحة في هذا الصدد. ونشر الوعي داخل المجتمع، وتحصين النشء ضد هذه الآفة الخطرة، ودعم فعاليات المجتمع المدني التي تشتغل على الموضوع، وترسيخ مبادئ الحوكمة داخل الإدارات ومختلف المؤسسات.

عن صحيفة الخليج 



المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي امان

البحث
 
 
 
 
  • بيئة النزاهة والشفافية والمساءلة في عمليات الشراء العام- قطاع غزة 2018
  • ورقة بحثية حول فاعلية منظومة المساءلة في متابعة قضايا حماية المستهلك
  • دراسة نظام النزاهة في هيئات الحكم المحلي بلدية جباليا - دراسة حالة
  • فعالية ومناعة نظام النزاهة في عمل جهاز الضابطة الجمركية - تشرين الأول 2018
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم رسائلنا