غياب التشريعيّ والانقسام والسلطة المطلقة فاقم الفساد في فلسطين
الأربعاء | 06/05/2015 - 01:34 مساءً

بقلم :أحمد ملحم

رام الله، الضفّة الغربيّة – شكّل ملف الفساد ومكافحته أحد أبرز التحدّيات أمام السلطة الفلسطينيّة منذ تأسيسها بموجب إتفاقيّة أوسلو، في ظلّ تردّي الأوضاع الإقتصاديّة في الضفة الغربية وقطاع غزة وغياب السلطة التشريعيّة عن دورها الرقابيّ وعدم إجراء الإنتخابات الرئاسيّة والنيابيّة اذ كان من المقرر وفق القانون اجراء الانتخابات الرئاسية في 2009، بينما كان من المفترض اجراء الانتخابات التشريعية (النيابية) في 2010.

رغم الجهود، الّتي تقول السلطة إنّها تبذلها لمحاربة الظاهرة كتشكيل هيئة مكافحة الفساد والانضمام إلى إتفاقيّة الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد في 2 مايو/أيّار من عام 2014 وإقرار الاستراتيجيّة الوطنيّة لمكافحة الفساد للأعوام 2015- 2017، إلاّ أنّ التّقارير والرأي العام الفلسطينيّ يشيران إلى أنّ الفساد ما زال مستشرياً في أوجه مختلفة في مؤسّسات السلطة.

وأشار رئيس الوزراء رامي الحمد الله في كلمته خلال احتفال الائتلاف من أجل النزاهة والشفافيّة "أمان"، الّذي أطلق تقريره السنويّ في 27 أبريل/نيسان، وحضره "المونيتور"، إلى أنّ الحكومة ماضية في "مكافحة الفساد واجتثاثه وتعزيز قيم النزاهة والشفافيّة، والانفتاح على الجهات الرقابيّة المختلفة"، وقال: "إنّ المؤسّسات الحكوميّة، الوزاريّة وغير الوزاريّة، ستبقى مفتوحة للمساءلة والرّقابة".

وتأسس الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) عام 2000 بمبادرة من مؤسسات المجتمع المدني العاملة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الصالح، كحركة مجتمع مدني تسعى لمكافحة الفساد وتعزيز منظومة النزاهة والشفافية والمساءلة في المجتمع الفلسطيني، وفي العام 2006 حاز الائتلاف على العضوية الكاملة لمنظمة الشفافية الدولية، حيث يلتزم الائتلاف بالمبادئ التوجيهية لهذه الحركة، وينشط في ترويج أهدافها ونشاطاتها في ظل التصاقه بالسياق الفلسطيني. ويركز الائتلاف في مسعاه على الناس، لأن جهود مكافحة الفساد لن تنجح ولن تثمر الا من خلال انخراطهم الواسع فيها، من خلال اتباع منهجا شاملا ومستداما يستند إلى الشراكة والتعاون مع جميع الأطراف ذات العلاقة ومجموعات المصلحة، بهدف تعزيز الشفافية في المؤسسات الفلسطينية على اختلاف تصنيفاتها، وإنفاذ القانون ومشاركة المواطنين في الحكم وإدارة موارد الدولة الفلسطينية.

ولفت إلى أنّ "تفشي الفساد واستمرار الاحتلال يؤدّيان إلى المزيد من سلب أموال ومقدّرات الشعب وتعطيل جهود بناء الدولة المستقلّة القادرة على الحياة والاستمرار".

واعتبر تقرير ائتلاف "أمان"، وهو (الفرع الوطنيّ لمنظّمة الشفافيّة الدوليّة)، في تقريره السنويّ، الّذي حمل عنوان "السلطة المطلقة... مفسدة مطلقة" أنّ "الانقسام وسياسة الاحتلال وغياب المجلس التشريعيّ وتمركز السلطات الثلاث في يدّ الرّئيس وضعف الرّقابة خلقت الكثير من حالات الفساد".

ومن جهته، قال المفوّض العام لـ"أمان" عزمي الشعيبيّ لـ"المونيتور": "إنّ عدم إجراء الإنتخابات وغياب دور المجلس التشريعيّ أدّيا إلى تفرّد الرّئيس بالسلطات الثلاث (التشريعيّة، القضائيّة، والتنفيذيّة)، ممّا وفّر بيئة ساعدت على ظهور بعض قضايا الفساد".

وبعد اطّلاع "المونيتور" على تفاصيل التّقرير السنويّ، فإنّ غياب المجلس التشريعيّ وعدم سنّ تشريعات جديدة أو تعديل التشريعات القديمة، أدّت إلى عدم مواءمتها مع إتفاقيّة الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد، الّتي انتسبت إليها فلسطين في 2 مايو/أيّار من عام 2014. .

ولفت القائم بأعمال مدير ائتلاف "أمان" عصام الحاج ياسين لـ"المونيتور" إلى أنّه في ظلّ تواجد كلّ السلطات في يدّ الرّئيس، فإنّ التّوصية الرئيسيّة لأطراف المصالحة، العمل لعقد جلسة للمجلس التشريعيّ، ممّا سيضع حدّاً لتمركز السلطات الثلاث في يدّ واحدة.

ومن جهته، أشار الكاتب والمحلّل السياسيّ والباحث في قضايا الفساد جهاد حرب لـ"المونيتور" إلى أنّ التّوقيع على إتفاقيّة الفساد يعتمد على ما ستقوم به هيئة مكافحة الفساد والحكومة في تفعيل بنود الإتفاقيّة، وهذا يضع دولة فلسطين أمام مساءلة حول مدى تطبيقها لنصوص الإتفاقيّة، وقال: "إنّ عدم عقد المجلس التشريعيّ يؤخّر مواءمة التّشريعات الفلسطينيّة مع إتفاقيّة الأمم المتحدة، رغم أنّ أحد متطلّبات الأمم المتّحدة أن يكون المجلس التشريعيّ فعّالاً، وغيابه يضع مسألة إصدار تشريعات وفق المادّة 43 من القانون الأساسيّ في موقف ضعيف أيضاً".

وفي السّياق نفسه، اعتبر نائب رئيس المجلس التشريعيّ حسن خريشة في حديث لـ"المونيتور"، أنّ غياب المجلس التشريعيّ وتغييبه لسنوات، جعل الكثيرين يقومون بمهمّات المجلس التشريعيّ، مشيراً إلى أنّ "الحكومة شكّلت لجنة للتّشريعات. وكذلك، فإنّ مستشاري الرّئيس ساهموا في سنّ التّشريعات من خلال حثّ الرّئيس على سنّ قوانين بقرارات رئاسيّة كانت لصالح طبقة معيّنة من المستفيدين"، وقال: "إنّ المجلس التشريعيّ لم يصادق على أيّ موازنة للحكومة. ولذلك، نرى شكوى الناس وتذمّرهم من استفراد الأمن بأكثر من 35 في المئة من الموازنة العامّة".

ورصد التّقرير أبرز القرارات، الّتي تشير إلى تمركز السلطات في يدّ الرّئيس عبّاس، وهي: "منح الثقة لحكومة الوفاق الوطنيّ نيابة عن المجلس التشريعيّ وإقرار ميزانيّة عام 2014 ورفع الحصانة عن أحد أعضاء التشريعيّ (محمّد دحلان) وإحالة الأمين العام للمجلس التشريعيّ ابراهيم خريشة على ديوان الموظّفين العام وإحالة رئيس ديوان الرّقابة الماليّة والإداريّة على التّقاعد قبل انتهاء مدّته القانونيّة، وهي صلاحيّة خاصّة بالمجلس التشريعيّ، وتعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى من دون انتظار تنسيب مجلس القضاء".

كما رصد التّقرير، توسّع الرّئيس بإصدار قرارات بقوّة القانون في عام 2014 مقارنة بالعام الّذي سبقه، فقد ازدادت من 11 قراراً في عام 2013 إلى 19 في عام 2014، وهو ما يعني أنّ الرّئيس أصبح المرجع الرّئيس للسلطة القضائيّة والنيابة العامّة.

ووفق مقياس النزاهة، فإنّ "التّشريعات الفلسطينيّة لا تزال قاصرة عن تحصين نظام النزاهة الوطنيّ" في فلسطين، الّذي انخفض 16 نقطة في عام 2014 عن العام الّذي سبقه، حيث حصل على 538 علامة، ممّا يعني وفق التّقرير "أنّ نظام النزاهة في فلسطين ما زال غير مانع للفساد، وأنّه يراوح مكانه". وتجدر الإشارة أن مقياس النزاهة للعام 2014 حصل على علامة 538 بينما حصل في العام 2013 على علامة 554.

وحول الجهود المبذولة من قبل السلطة الفلسطينية قال خبير مختص في القضاء رفض الكشف عن هويته لـ"المونيتور"، ان هناك تقصير في متابعة قضايا الفساد من قبل الجهات القضائية، وانه تم تعديل قانون الكسب غير المشروع من قبل الرئيس الى قانون هيئة مكافحة الفساد في 20/6/2010، وهو ما ادى الى تمييع القانون في ملاحقة الفاسدين عبر الاجراءات القانونية. واضاف المصدر ان هناك اشكاليات حقيقية في البت بقضايا الفساد من قبل محكمة جرائم الفساد وفي متابعتها من قبل الهيئة، وهو ما يؤدي الى تأخر صدور القرارات المتعلقة بقضايا الفساد، واحيانا اختفاء ملفات من اروقة المحاكم

وتصدّرت الواسطة والمحسوبيّة أبرز أشكال الفساد، إذ أظهرت نتائج استطلاع أعدّته منظّمة "الشفافيّة الدوليّة" في عام 2014 أنّ 6 في المئة من الفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة دفعوا رشوة للحصول على الخدمة العامّة، بينما دفعها 19 بالمئة في غزّة. كما أظهرت أنّ 70 في المئة من الفلسطينيّين يعتقدون أنّ الفساد زاد في عام 2014.

وأظهرت النتائج الخاصّة بفلسطين لمقياس الفساد العالميّ "GCB 2014"، بحسب التّقرير، أنّ 35 في المئة من الفلسطينيّين يرون أنّ الفساد يحتلّ المرتبة الثالثة من بين المشاكل، الّتي يجب على الحكومة معالجتها بعد الاقتصاد والحكم، وأنّ 61 في المئة من المستطلعين يعتقدون أنّ جهود الحكومة في مكافحة الفساد سيّئة جدّاً أو سيّئة نوعاً ما.

وإنّ الشكاوى والبلاغات المقدّمة إلى هيئة مكافحة الفساد بحسب 450 شكوى حتّى 30 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2014 - تمّ استبعاد 125 شكوى لعدم الاختصاص- شمل 20 في المئة منها الواسطة والمحسوبيّة، و17 في المئة إساءة استخدام السلطة، و13 في المئة المساس بالأموال العامّة، و12 في المئة إساءة الإئتمان.

وفي ظلّ المعطيات أعلاه، فإنّ غياب السلطة التشريعيّة والرقابيّة وتعطّل إجراء الإنتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة وعدم إقرار خطّة وطنيّة تشاركيّة لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد وعدم استكمال التّشريعات الّتي تعزّز الشفافيّة، ومنها قانون الحصول على المعلومات وقانون الشراء العام والامتياز ومنع الاحتكار، فإنّ كلّ جهود مكافحة الفساد ستبقى تدور في فلكها من دون تقدّم يذكر.

المصدر: ALMONITOR



المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي امان

البحث
 
 
 
 
  • بيئة النزاهة والشفافية والمساءلة في عمليات الشراء العام- قطاع غزة 2018
  • ورقة بحثية حول فاعلية منظومة المساءلة في متابعة قضايا حماية المستهلك
  • دراسة نظام النزاهة في هيئات الحكم المحلي بلدية جباليا - دراسة حالة
  • تقرير النشاطات السنوي 2018
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم رسائلنا