كافحة الفساد في فلسطين
السبت | 13/12/2014 - 12:23 مساءً

بقلم: راجح ابو عصب

جريدة القدس

خلق الله - سبحانه وتعالى - الكون على اكمل صورة , واستخلف -عز وجل - الانسان في هذا الكون :" واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة " سورة البقرة اية 30 " وامره ان يعمر هذه الارض : " هو انشأكم من الارض واستعمركم فيها " سورة هود اية "66" وامده بكل وسائل الاعمار ليقوم بهذه المهمة العظيمة , حيث سخر له ما في السموات وما في الارض من اجل ذلك الاعمار :" الم تروا ان الله سخر لكم ما في السموات وما في الارض واسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " سورة لقمان اية 20 " .

امر الله -عز وجل - الانسان ان يصلح في هذه الحياة , والا يفسد فيها . وحذره من عاقبة ذلك الفساد " ولا تبغ الفساد في الارض " سورة القصص اية 77 . ولكن الانسان منذ اللحظة الاولى التي اوجده الله فيها على ظهر الارض خالف امر ربه - عز وجل - وافسد في الارض , وكان ذلك عندما اقبل قابيل ابن ادم - عليه السلام- على قتل شقيقه هابيل - بدافع من الحسد والغيرة . وقد قص الله هذه الجريمة البشعة في سورة المائدة , ومنذ ان قتل قابيل شقيقه هابيل بدأ في الارض الفساد واتسع الى حد كبير . فأخذ القوي يأكل الضعيف , والغني يستغل الفقير . وانتشرت الحروب وما انتجته من قتل وسفك للدماء وانتهاك للاعراض وسبي للنساء وتشريد للمدنيين .

واصبح تاريخ البشرية مليئا بالصفحات السوداء من الفساد والمفسدين من كافة الاقطار , ومن كل الاعراق والاجناس .

فكان هناك نيرون الحاكم الروماني الذي احرق روما وهو يتفرج على اطلالها التي تأكلها النيران . وكان هناك تيمورلنك سلطان التتار الذي كان نقمة على العالم الاسلامي وارتكب من المجازر بحق الاسلام ابشع الجرائم واقذرها , وكان يبني ابراجا ضخمة من جماجم ضحاياه , رغم انه كان يزعم انه مسلم ويؤدي الصلاة ويحفظ القرآن الكريم .

وكان هناك ايضا جنكيز خان المغولي الذي قتل الملايين , وكان اغلبهم من المسلمين , وفي العصر الحديث كان هناك هتلر وموسوليني اللذان قتلا الملايين من البشر في الحرب العالمية الثانية , وهناك الكثير الكثير من الطغاة الذين عاثوا فسادا في الارض وقتلوا وسلبوا ونهبوا واحرقوا وانتهكوا الاعراض والمقدسات , فكانوا صفحات سوداء في تاريخ الفساد البشري .

ومع تقدم الحضارة والازدهار العلمي الكبير , خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين , اخذ الفساد يتسع ويتطور وياخذ اشكالا جديدة لم تكن ظاهرة من قبل , وابرزها ظاهرة تبييض الاموال .

حيث تقوم عصابات الجريمة المنظمة بممارسة اعمال الفساد المختلفة من الاتجار بالمخدرات وبالرقيق الابيض - اي استغلال النساء والاطفال جنسيا , وكذلك تجارة الاعضاء البشرية وتجارة السلاح , واقامة مؤسسات وهمية تقوم بتبيض اموال المجموعات التي تمارس الجريمة المنظمة , وهذه العصابات عابرة للقارات وللدول وتعمل فيها شخصيات كبيرة سياسية وعسكرية وامنية في دول مختلفة من العالم , حيث تدفع لتلك الشخصيات ملايين الدولارات من اجل التغطية على ممارسات تلك العصابات المنظمة.

ومن اعظم مظاهر الفساد في العالم اليوم , والتي تشمل دول العالم كله , جرائم الرشوة , والتي اصبحت ظاهرة عالمية تمارسها الشركات الكبرى الصناعية , بشقيها الصناعات المدنية والعسكرية , حيث تدفع الملايين لمسؤولين كبار في السلطة السياسية , من اجل ابرام صفقات تجارية كبيرة , وكذلك فان شركات السلاح الكبرى في العالم تدفع مبالغ طائلة للمسؤولين في كثير من دول العالم على ما تزعم انه عمولة , من اجل شراء اسلحتها .

وهناك نوع اخر من الفساد منتشر على مستوى عالمي , ويختص بشركات المقاولات الكبرى , وحتى في شركات المقاولات الصغرى والمتوسطة , حيث تدفع الكثير من تلك الشركات رشاوى من اجل الفوز بالعطاءات , وعندما يرسو عليها العطاء لا تلتزم بالمواصفات , لانها ضمنت انها من خلال الرشاوى التي دفعتها لن تحاسب . وهذا النوع من الفساد ينتشر بصورة كبيرة في دول العالم الثالث , او ما يسمى الدول النامية , حيث تسود في اغلبها انظمة استبدادية , تتألف من الحاكم المستبد وبطانته الفاسدة الذين يستولون على مقدرات كل الشعب وثرواته , كما كان في مصر ايام الرئيس السابق حسني مبارك , وفي تونس ايام حكم زين العابدين بن علي وفي ليبيا ايام حكم العقيد معمر القذافي .

وهناك نوع اخر من الفساد , وينتشر بكثرة ايضا في الدول النامية او دول العالم الثالث , حيث تتشكل فيها جمعيات باسماء مختلفة مثل جمعيات الدفاع عن حقوق الانسان او الدفاع عن حقوق المرأة او جمعيات رعاية الايتام , او جمعيات رعاية المعوقين , وهكذا كثير من جمعيات تحمل اسماء وعناوين مختلفة , وترى العديد منها ينخرها الفساد واختلاس الاموال والتزوير وغير ذلك .

ولأن السلطة الفلسطينية نشأت حديثا وقبل عشرين عاما بالضبط ,واقامت وزارات ومؤسسات مختلفة , وجاءها الكثير من الاموال من الدول المانحة من عربية وغير عربية , ولأن الكثير من المشاريع اقيمت , وكذلك العديد من المؤسسات في كافة المجالات , فكان من الطبيعي ان يكون هناك فساد وفاسدون في اماكن كثيرة , حيث ظهرت عليهم علامات الثراء الباذخ الذي لا يتناسب مع رواتبهم ومدخولاتهم , حيث اصبحوا يملكون ثروات طائلة في زمن قصير نسبيا , من خلال استغلال مناصبهم ومراكزهم ووظائفهم , وهذا امر موجود في كل دول العالم وعلى اعلى المستويات حتى في الدول الديمقراطية الكبرى .

ولأن القيادة الفلسطينية حريصة على مكافحة الفساد بكافة اشكاله وصوره , انشأت محكمة جرائم الفساد بموجب قانون مكافحة الفساد رقم واحد لسنة 2005 والمعدل بقرار بقانون رقم سبعة لسنة 2010 , وعلى اثر هذا القانون وتنفيذا للمادة 16 منه, شكل مجلس القضاء الاعلى هذه المحكمة عام 2010 , ويخضع لاحكام قانون مكافحة الفساد رئيس السلطة الفلسطينية ومستشاروه ورؤساء المؤسسات التابعة للرئاسة وكذلك رئيس واعضاء مجلس الوزراء ومن في حكمهم , اضافة الى رئيسي واعضاء المجلس التشريعي واعضاء السلطة القضائية والنيابة العامة وموظفوها , وكذلك كل موظفو السلطة الفلسطينية والهيئات والمؤسسات والجمعيات والاحزاب والنقابات واخرون كثر , وهكذا يتضح ان لا احد فوق المساءلة امام محكمة هيئة مكافحة الفساد .

ولأن الرئيس محمود عباس حريص اشد الحرص على مكافحة الفساد في اراضي السلطة الفلسطينية , فقد ترأس يوم الاحد الماضي في مدينة رام الله الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة الفساد , حيث القى كلمة أكد فيها ان هيئة مكافحة الفساد تعمل بشفافية , وان اي شخص لديه الانتقاد بامكانه الانتقاد لها , من اجل تصحيح الاخطاء التي حصلت , وقال انه راض كل الرضا عن عمل الهيئة , وما تقوم به على كل المستويات وعلى كل الاصعدة .

واعلن الرئيس في كلمته ان ليس هناك احد فوق القانون , وشدد على اننا لا نريد التشهير باحد , لأن المتهم بريء حتى تثبت ادانته , فالتشهير ممنوع , وكذلك الدعاوى الكيدية خطيرة جدا , واشار الى تقارير مؤسسات دولية تشيد بمحاربة السلطة الفلسطينية للفساد , وقال اننا نريد ان نسير في كل مؤسسات الدولة لنشر الشفافية والمحاسبة , لأنه اذا انتشرت الشفافية والمحاسبة ستكون لدينا دولة محترمة نستحقها .

وقال رئيس هيئة مكافحة الفساد رفيق النتشة , ان الرئيس محمود عباس كلف الهيئة بدراسة اوضاع الجمعيات والمؤسسات والشركات غير الربحية العاملة في الاراضي الفلسطينية , واضاف في كلمته في الاحتفال الذي ترأسه الرئيس عباس : ان 2800 جمعية خيرية ومؤسسة "انجوز " وشركة غير ربحية تنشط في الاراضي الفلسطينية تحت مسميات مختلفة , وستقوم الهيئة بدراسة اوضاعها القانونية , لمعرفة ان كانت تلتزم بالقوانين ام لا , وهل لديها التراخيص اللازمة للعمل ؟ ومن اين تمويلها ؟ وحجم ميزانيتها بهدف تنظيمها وتصويب اوضاعها , وطالب النتشة القضاء بالتعامل مع الملفات المحولة اليه من هيئة مكافحة الفساد باسرع وقت , وهكذا فان هناك حرص فلسطيني اكيد على محاربة الفساد بكل اشكاله وصوره , علما ان الفساد اصبح اليوم مشكلة عالمية تعاني منها كل الدول , فلا يكاد يمر يوم دون ان تسمع عن قضية فساد كبرى في دولة من دول هذا العالم , لأن هناك الكثيرين الذين يضعفون امام اغراء المال.

وصدق الله العظيم اذ يقول :" زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث , ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب " سورة آل عمران اية رقم (14) ,

وللاسف يوجد في مجتمعنا الفلسطيني وبالذات لدى اصحاب النفوذ في فلسطين اعمال ملوثة بالفساد ولكن لا يتجرأ المواطن بأن يتوجه لتقديم الشكاوى عن هذه الاعمال وذلك خوفا على مستقبله ومستقبل عائلته واولاده , ولهذا نهيب بمجتمعنا على ان يكون على قدر كبير بتحمل المسؤولية وان لا يتغاضى عن اي عمل مفسد مهما كان منصب صاحب هذا العمل وان يقوي نفسه بالإيمان من اجل خلق مجتمع خالٍ من الفساد والله الموفق .



المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي امان

البحث
 
 
 
 
  • بيئة النزاهة والشفافية والمساءلة في عمليات الشراء العام- قطاع غزة 2018
  • ورقة بحثية حول فاعلية منظومة المساءلة في متابعة قضايا حماية المستهلك
  • دراسة نظام النزاهة في هيئات الحكم المحلي بلدية جباليا - دراسة حالة
  • تقرير النشاطات السنوي 2018
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم رسائلنا