الفساد والشباب في فلسطين.. الواقع والمواجهة!
السبت | 29/03/2014 - 08:34 صباحاً

يُشكّل الفسادُ أعظم المصائب التي يعانيها العالم عامةً ، والمجتمعات المتخلفة خاصةً، ذلك أنه يجعل من إمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة الإنسانية مطلباً مستحيل التحقيق . وإذا كان العدلُ أساس الملك، فإنّ الفساد أساس الاستبداد، وما انتشر الاستبدادُ في العالم إلاّ نتيجة لشيوع ظاهرة الفساد، التي لا تختصّ بها دولة دون أخرى، ولا مجتمع دون آخر، فهي تكاد تكون القضية الرئيسة الموجودة في كل المجتمعات، إذ لا يوجد على وجه الأرض ذلك المجتمع المثالي الذي يخلو من مظاهر الفساد والإفساد وهدر المال العام، لكن تبقى الفروق فردية ونسبية بين دولة وأخرى، ومن مجتمع إلى آخر.

وفي حال خصصنا الحديث عن فلسطين فإن المجتمع الفلسطيني يعاني من آفة الفساد كغيره من مجتمعات العالم ، فالسلطة الوطنية الفلسطينية تعاني ، ومنذ توليها مقاليد الحكم في العام 1994 ، من صعوبات في الأداء ، ومن معيقات مختلفة ، تقف في وجه إرساء قواعد الحكم الصالح . ويرتبط بعض هذه الصعوبات والمعيقات بطبيعة البيئة السياسية التي تحيط بعمل السلطة ، بينما يرتبط بعضها الآخر بظروف نشأتها التاريخية ، وخبراتها المتواضعة في الحكم ، ووجود إشكالات تتعلق بالانتقال من الثورة والمنافي إلى الدولة والوطن.

ومن أشكال الفساد في فلسطين التكسب الوظيفي ، والرشوة ، والمحسوبية، والمحاباة في الاعمال العامة؛ مما أدى الى اهدار المال العام وبالتالي المساهمة في حالات الإفقار وتراجع العدالة الاجتماعية وانعدام ظاهرة التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي وتدني المستوى المعيشي لطبقات كثيرة في المجتمع نتيجة تركز الثروات والسلطات في أيدي فئة الأقلية التي تملك المال والسلطة على حساب فئة الأكثرية وهم عامة الشعب الفقراء من خلال سوء توزيع الدخول بشكلٍ غير مشروع.

ومن الفئات التي عانت ولا تزال من الفساد شريحة الشباب ، حيث أن حرمانها من المشاركة في صناعة القرار وتهميش دورها في التنمية أديا الى حرمان المجتمع من قوة لو وظفت جيداً لاستطاع هذا المجتمع تحقيق حالة معقولة من الاستقلالية الاقتصادية والمنعة الاجتماعية ورشادة الادارة ونزاهة القضاء وقوة العدالة وحوكمة المؤسسات . تهميش الشباب صورة اخرى للفساد عبر إضعاف الحوافز والمنافسة الشريفة في العمل، حيث أن الفساد بطبيعته القاتلة يثبط عزيمة المنتجين والعاملين الجادين ويضعف اخلاقيات العمل .

ما هي أهم أسباب الفساد ؟
يرى الشباب أن سبب الفساد يرجع إلى نزعة شخصية تحركها المصلحة الذاتية، عند توافر بيئة مساعدة ، يتم انتهازها من قبل هؤلاء الاشخاص. وباعتقادهم أن أهم الاسباب للفساد في فلسطين تتمثل في:
• غياب سيادة القانون، فعند غياب تطبيق القانون تنتهك الحقوق والحريات وتصادر حرية الرأي والتعبير والتنظيم.
• ضعف الجهاز القضائي، وعدم قدرته على تنفيذ الاحكام.
• ضعف الارادة والنية الصادقة لدى القيادة السياسية لمكافحة الفساد.
• ضعف اجهزة الرقابة في الدولة وعدم استقلاليتها.
• عدم الالتزام بمبدأ الفصل المتوازن بين السلطات الثلاث.
• ضعف وسائل الاعلام ، ومحدودية الحريات التي تتمتع بها في الكشف عن قضايا الفساد.
• ضعف دور مؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات المتخصصة بمحاربة الفساد، أو التي تعمل على التوعية بأهمية مكافحته.
• عدم مبادرة أو جرأة كثير من الناس في اعلام المؤسسات المعنية بمحاربة الفساد بحالاته أو باسماء الفاسدين.

كيف ينظر الشباب الى الفساد؟
• الفساد صورة اخرى للهلاك. عندما نسمع كلمة فساد نتذكر الشر والخراب والظلم والفقر والجوع.
• الفساد هو استغلال للمنصب العام. هو خروج عن القانون والنظام أو استغلال غيابهما.
• هو جريمة تتجسد في ازدياد صور الانحراف ، وهو عكس الاستقامة والنزاهة.
• اخاف كثيرا من الفساد لان حضوره يعني غياب فرصة العمل .
• لا زال هناك ضعف في مستوى العدالة والمساواة والشفافية في التعينات والترقيات.
• الواسطة منتشرة على نطاق واسع ، واصبحت تعتبر الآن جزءاً من عملية التقدم للحصول على وظيفة . يقول شاب" عندما انهيت دراستي ، بدأت بالبحث عن وظيفة، قيل لي أنني بحاجة الى واسطة والا سامكث في لعنة البطالة سنوات وسنوات".
• طالبة جامعية تقول " قرأت أن شخصاً ارسل بالبريد الالكتروني الى وزارة التعليم تحدث بها عن مدى البؤس الذي يشعر فيه، وأنه لا يستطيع الحصول على وظيفة ، إذ قيل له : ليس لديك واسطة ؟ لا يمكنك حتى ان تحصل على كوب من الماء دون الواسطة! لقد صدمت ".
• تقول شابة "الواسطة توجد في كل بيت، وفي كل سلطة؛ يوجد فساد في الوزارت والاحزاب والمنظمات الاهلية وغيرها. اننا بحاجة الى سنوات للتغيير ، ولا يمكن أن نغير في يوم واحد.
• يقول شاب" للواسطة تأثير كبير على حماسنا للعمل . المحسوبية تبطل الأمل في العثور على وظيفة، اعرف اناساً فشلوا في المدرسة أو حتى لم يتعلموا ، ويعملون حاليا.. الناس يوظفون أقاربهم واصدقاءهم" .

ما هي أكثر اشكال الفساد وصوره برأي الشباب؟
• المحسوبية، والمحاباة، والواسطة، واستغلال المنصب العام، والتكسب الوظيفي، وإهدار المال العام واختلاسه، وضع اليد على الممتلكات العامة، الكسب غير المشروع، تضارب المصالح، تهريب الاموال وغسلها، والرشوة، الفساد الاخلاقي، الفساد الاداري.
• أما صور الفساد برأي الشباب فتتمثل في: تخصيص وظيفة لقريب دون مقابلته ، تدخل معلم لقبول ابن صديقه في المدرسة رغم عدم نجاحه في امتحان القبول ، قضاء وقت العمل في مكالمات خاصة ، زيادة علامات لابن المدير ، استخدام سيارة الحكومة في الأعراس ، تقديم هدية لموظف مقابل الحصول على مصلحة ، قيام المسؤول بتوزيع المساعدات المقدمة للقرية على اقاربه فقط ، قيام أحد الموظفين باستخدام ماكينة تصوير في الوزارة ليصور وثائق خاصة لزوجته، إعطاء منحة اكاديمية خارج الوطن لابن مسؤول رغم عدم استحقاقه لها، صرف راتب لشخص دون أن يواظب على رأس عمله.

تأثير الفساد على الشباب
• قتل روح حرية الابداع والتفكير والتعبير والفعل لدى الشباب خاصة في ظل نظام حكم يصادر الشفافية ويتمسك بمقاليد السلطة والثروة عنوة.
• حرمان كثير من الشباب من المساواة في تكافؤ فرص العمل والصحة وسواها من الحقوق لا سيما في المنح والسفر والتدريب والتأهيل وغيرها.
• اجبار كثير من الشباب المبدعين للهجرة الى الخارج لعدم حصولهم على حقوقهم او تطوير قدراتهم ومشاركتهم في المجال العام بسبب غياب المساواة والانصاف.
• هدم ثقة مؤسسات التمويل في النظام السياسي القائم وقطع جزء من مساعداته ، ما يؤثر سلباً على الشباب ويقلل من مساحة فرصهم ومنح حقوقهم.
• سوء توزيع الدخل، والاحتقان والانحراف الاجتماعي بسبب الفساد يؤدي الى تعطيل قوة الشباب الفاعلة في المجتمع التي من الممكن الاستفادة منها لو أُحسن التعامل معها.
• في حال عدم محاسبة الفاسدين قد يؤدي ذلك الى شيوع حالة ذهنية لدى الشباب ، تسوغ الفساد، وتجد له من الذرائع ما يسوغ استمراره .
• تعرض الشباب الذي لم يحصل على حقه للعزلة والاغتراب الاجتماعي وما الى ذلك من امراض نفسية قد يتحول بسببها الى حاقد على المجتمع ومتمرد على قيمه.

الحكم الصالح طريق لتمكين الشباب
بالإطلاع على العديد من الدراسات المتناولة لواقع الشباب والحكم الصالح باعتبار هذا الحكم رصيد وسدن لمكافحة الفساد نذكر ، هنا ، ملامح الحكم الجيد بالنسبة للشباب والمتمثلة في الصور التالية:
• سيادة القانون : من خلال تجريم ومكافحة الواسطة مثلا، لأنها تضع حائلا بين قدرات الشاب وإنجازه، ، ومن ثم فتح الفرص أمام الشباب الراغب في المشاركة واختبار قدراته، ثم تنميتها لزيادة قدرته التنافسية، وهكذا .
• الشفافية والمحاسبة : من خلال إلغاء تسييس العلم والمناهج الدراسية ونظم التعليم، مثلا، وكذلك من خلال حرية مراقبة البيانات وحرية الحصول على المعلومات، وانفتاح المؤسسات السياسية وأجهزة صنع القرار أمام الشباب، وعلى أساس معرفته بالحقائق، ومن ثم تتوافر أمامه البدائل المختلفة ويستطيع أن يحكم على الأمور بنفسه.
• المشاركة : من خلال رفع حواجز المشاركة وإتاحة الفرصة أمام الشباب للانخراط في الأحزاب والجمعيات المدنية، وتقليل الميل إلى العزلة الناتج عن الإحباط، وكذلك من خلال إعادة النظر في أعمار المشاركة السياسية (بداية من الانتخاب ووصولا إلى تولى المواقع القيادية)..

هل يستطيع الشباب محاربة الفساد؟
الجواب لا يكمن في الشباب بقدر ما يكمن في البيئة التي يعيشون فيها. ففي ظل وجود هؤلاء الشباب في بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية لا تراعي خصوصياتهم أو تتعاطى مع مطالبهم أو تشاركهم في قراراتها فإن مواجهتهم للفساد ومسببيه تكون هشة الى حد الانعدام.. في هذا الاطار يذكر بعض الشباب والمختصين جملة من العوامل المعيقة التي تحول دون تمكن الشباب من محاربة الفساد في فلسطين ، والمتمثلة في التالي:
• عوائق تربوية تعليمية، وعوائق اجتماعية ترتبط بالتقاليد والأعراف السائدة.
• عوائق سياسية ترتبط بغياب الممارسة الديمقراطية الحقيقية وعدم احترام حرية الرأي .
• أسباب قانونية تتمثل في غياب التشريعات التي تضمن وتنظم مشاركةً فعالة للشباب في الحياة العامة.
• عوامل نفسية ارتبطت بالقمع أو الكبت، ليس فقط ذلك المرتبط بالسلطة بل ما يتعلق منه بالأسرة أيضاً.
• عوائق ترتبط بانعدام الهياكل الملائمة التي يفترض أن تتولى تنظيم النشاطات الشبابية في المجال السياسي.
• عوائق ترتبط بانعدام اهتمام العديد من منظمات المجتمع المدني بقضايا الشبا ب.
• وعوائق تتعلق بتجاهل أو عدم تناول وسائل الإعلام الجاد لقضايا الشباب وعدم طرح المواضيع المختصة بتنمية مهارات المشاركة السياسية لدى الشباب.

رغم كل ذلك ، ولأن الشباب يشكلون الأكثريةَ والأقدر على تولي مواقع المسؤولية في المستقبل فيجب أن يقوموا بدور هام في محاربة الفساد، ولعل من أهم الوسائل التي تمكن الشباب من القيام بهذا الدور والحيلولة دون أن يصبحوا هم أنفسهم جزءاً من الفساد خاصة عندما يتولون المسؤولية، هو تنمية المعايير الخلقية والسلوكية .

التوصيات
• يجب تطوير نظم التعليم بطريقة تسمح بتعليم وممارسة مبادئ الحكم الرشيد . كما ولا بد من تطوير مناهج خاصة تتناول مبادئ الحكم الرشيد ووسائل إيجاده ونماذج من تطبيقاته، ويجب ألا تقتصر العمليةُ التعليمية وتطوير هذه المناهج على المدارس والجامعات، بل يجب أن تتعداها لتصل إلى الشباب خارج المدرسة والجامعة.
• ولا بد أيضا من نشر الوعي بمفهوم الحكم الرشيد والمسؤولية المدنية لدى جميع فئات المجتمع وقياداته السياسية والتقليدية والدينية أيضا، وفي هذا السياق لا بد من إصدار كتب ومجلات متخصصة يتم عرضها بأسلوب علمي مبسط ومقنع يوضح أهمية الحكم الرشيد وقدرته على حل مشكلات
* إشراك الشباب في عملية التحول الديمقراطي، وفي كيفية تفعيل دورهم في ارساء مبادىء الحكم الصالح، من أهم العوامل للقضاء على الفقر وتعزيز التنمية . وهو بمعناه البسيط انشاء مؤسسات ـ سياسية وقضائية وادارية ـ تؤدي عملها بكفاءة وتخضع للمساءلة .
• تمكين الشباب بتفعيل آليات الحكم الجيد تساعدهم في القدرة على الاختيار، وبالتالي خلق وتعزيز الميل إلى السعي والمنافسة وتنمية القدرات، دون عرقلة ناتجة عن نقص الحكمانية في إدارة شئون الدولة والمجتمع.

* عن وكالة معا 



المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي امان

البحث
 
 
 
 
  • بيئة النزاهة والشفافية والمساءلة في عمليات الشراء العام- قطاع غزة 2018
  • ورقة بحثية حول فاعلية منظومة المساءلة في متابعة قضايا حماية المستهلك
  • دراسة نظام النزاهة في هيئات الحكم المحلي بلدية جباليا - دراسة حالة
  • واقع الدين العام ومتأخرات القطاع الخاص في فلسطين
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم رسائلنا