الشباب الفلسطيني والاستدامة في مكافحة الفساد
الثلاثاء | 28/01/2014 - 08:03 صباحاً

بقلم: الدكتورعقل أبو قرع

من اهم معايير تقييم المشاريع او البرامج او الاعمال وبغض النظر عن انواعها، هو الاستدامة، او مدى تواصل تأثير العمل بعد الانتهاء منة، او تواصل التأثير او التأثر بدون الحاجة الى تدخل او دعم جديدين، وهذه الايام الجميع يتحدث عن مبدأ الاستدامة، في التنمية والتعليم والتدريب، وفي الاستثمار بأنواعة، سواء اكان استثمارا في البنية التحتية او في التعليم او في القوى البشرية، وحين الحديث عن الاستثمار في البشر، فأن الاستثمار المستدام في البشر يعني الاستثمار في الشباب، وما لذلك من تواصل اثار هذا الاستثمار، وفي مختلف الاصعدة، ومنها مكافحة الفساد، وبأنواعة، من الفساد الاداري، والفساد المالي، مرورا بفساد الاغذية والادوية، الى الفساد المتعلق بتلويث البيئة من مياة وهواء واراضي وما الى ذلك.

ومعروف ان المجتمع الفلسطيني وبعكس مجتمعات اخرى في اوروبا او في اليابان مثلا، هو مجتمع فتي، اي مجتمع شاب، وحسب الاحصائيات الفلسطينية الحديثة، فأن نسبة الاشخاص في فلسطين من الاعمار 15 سنة واقل تبلغ حوالي 40% من السكان، بينما تبلغ نسبة الاشخاص بين اعمار 15الى 29 عاما حوالي 30%، اي حوالي مليون و300 الف شاب وشابة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا يعني ان الاستثمار في هذه النسبة الهائلة من الشباب في بلادنا يعتبر الاستثمار الاهم، سواء من حيث الاستدامة، او التأثير في مختلف مجالات الحياة المختلفة، وحين الحديث عن الاستثمار في الشباب في مجال مكافحة الفساد‘ فأنة يمكن تصور التأثير الايجابي المتواصل لذلك، في مجالات الاقتصاد والسياسة والتعليم والتربية والقيم والممارسة العادية في الحياة.

وتنبع اهمية توعية وتدريب وتثقيف وبناء الشباب الفلسطيني في مجال مكافحة الفساد، وبالاضافة الى النسبة الهائلة منهم في بلادنا، الى الاوضاع الخاصة التي نمر بها، من ازمات وصعوبات اقتصادية، ومن عدم وضوح الطريق او المسارات السياسية، ومن الازدياد المتواصل في اعداد العاطلين عن العمل وبالاخص الشباب والخريجين منهم، وفي ازدياد نسبة الفقر والحاجة، وفي تصاعد التأكل في شبة العلاقات الاجتماعية، وبالتالي فأن بناء جيل من الشباب من خلال ترسيخ مفهوم مكافحىة الفساد وبأنواعة ومن خلال التطبيق العملى لذلك، سوف يؤدي ولو على المدى المتوسط او البعيد الى تحقيق ما يتطلع لة الشباب والمجتمع من بناء دولة او مجتمع على اسس النزاهة والوضوح والمحاسبة العدالة.

والاستثمار المستدام في الشباب في مجال مكافحة الفساد يعني اتباع الاساليب الصحيحة لذلك، من الناحية النظرية ومن خلال الممارسة العملية، وسواء اكان ذلك كمن قبل الجهات الرسمية الفاعلة في مجال مكافحة الفساد في بلادنا مثل هيئة مكافحة الفساد، او من قبل الهيئات الاهلية مثل مؤسسة امان مثلا، وهذا يعني التوعية والتثقيف والتدريب وبأسلوب واضح وبسيط يظهر الايجابيات لمكافحة الفساد، بدأ من التجمعات المحلية والمدارس والجامعات والاطر المختلفة، وهذا يعني تبيان سلبيات الفلساد وتداعياتة والمعاناة التي يسببها ومن خلال الامثلة، وهذا يعني الاظهار للشباب التداعيات القانونية والاجتماعية والسلوكية والتنموية وحتى على الاقتصاد للممارسات الفاسدة، ومن خلال الامثلة، ولتكن الامثلة من واقعنا ومن بلادنا، ونحن نعرف انة في الفترة الماضية كان هناك كشف وملاحقة قضايا فساد، او اشخاص فاسدين، واخذ ذلك حيزا اعلاميا، وبغض النظر عن حجمها او نوعها او نوعية الاشخاص الذين قاموا بها، ولماذ لا يتم استثمار مثل هذه القضايا في مجال بناء مفاهيم مكافحة الفساد عند الشباب الفلسطيني، ولماذا لا يتم استخدامها ومن خلال الاعلام وبأسلوب موضوعي بعيدا عن الاثارة للوصول الى الشباب، الذي سوف يعتمد علية بناء وتنيمة هذا المجتمع، بعيدا عن مفاهيم وممارسات الواسطة والمحسوبية والرياء والدجل والرشوة وما الى ذلك.

ورغم ان فلسطين لا يتم ادراجها ولاسباب خاصة في تقرير منظمة الشفافية الدولية السنوي حول مستويات الفساد في العالم، الا ان الواقع العربي المحيط بنا يشير الى ان الثقافة او الممارسة العربية في الفساد ما زالت مستشرية، وحسب تقرير عام 2013 لمنظمة الشفافية الدولية، حول "مؤشر الفساد" في العالم، حيث تم ذلك بناء على معايير عدة، منها النزاهة واستغلال السلطة والرشوة والواسطة، حيث شملت الدراسة او الاستفتاء 177 دولة، وقد احتلت مصر المرتبة 114 من ضمن ال 177 دولة، بينما احتلت الاردن المرتبة ال 66 ، اما اسرائيل فقد احتلت المرتبة ال 36، والجدير بالذكر ان الدنمارك قد احتلت المرتبة الاولى، بينما احتلت الصومال المرتبة الادنى في اللائحة.

والاستثمار المستدام في الشباب الفلسطيني لمكافحة الفساد يعني ازدياد الوعي بضرورة الابلاغ عن الفساد سواء اكان من قبل الافراد او من الهيئات، وعلى الافراد اوعلى المؤسسات، وان تم ذلك، فأن هذا يعني ان المواطن وبالاخص الشاب الفلسطيني، الذي في اعتقادي هو حجر الزاوية في هذه العملية ، المطلوب توفير الحماية المعنوية والمادية لة، والمطلوب ارساء ثقافة اهمية العمل في الابلاغ عن الفساد كثقافة راسخة في مجتمع مثل مجتمعنا، الذي بأغلبيتة الشابة، هو الاساس للوصول الى ما نطمح لة من رؤيا، من بناء مجتمع فلسطيني خال من الفساد.

وكان واضحا من خلال استفتاء نشرة حديثا جهاز الاحصاء الفلسطيني، ان الواسطة والمحسوبية هما من اكثر انواع الفساد تفشيا في مجتمعنا الفلسطيني، وهذا يعني ان الواسطة والمحسوبية تتم على حساب الكفاءة والاستحقاق والشخص المناسب في الموقع المناسب، ولتغيير هذه الثقافة، وبالاخص عند الشباب، سواء في القطاع العام او حتى قطاع المجتمع المدني والاهلي او الخاص، فأن ذلك يتطلب وقتا وعملا وجهدا والاهم هو ترسيخ الاقتداء بمن يملك المنصب الاعلى والمسؤولية الاكبر والقدرة الاقوى، ويتطلب بث الوعي، ويتطلب تطبيق القانون وعلى الجميع، وفي العلن وبالنزاهة والشفافية، وبالتالي ازالة الانطباع عند الناس ان من يتم محاسبتهم او ملاحقتهم او محاكمتهم هم الضعفاء او الفقراء، او الذين لا يوجد لهم حماية او دعم او سند.

ولا يجادل احد بأهمية دور الشاب الفلسطيني، كمستهلك، في مكافحة الاغذية والادوية الفاسدة وفي مكافحة ممارسات تلويث البيئة من مياة واوارضي بالنفايات الصلبة، او بالمياة العادمة او بالمواد الكيميائية،وكذلك دورة في مكافحة فساد ارتفاع الاسعار والتلاعب بها، وغير ذلك من اشكال الفساد وانواعة، وكذلك دورة في الحد من ممارسات في احيان عديدة اعتدنا عليها او نتبجح بها، ومنها مثلا فساد السياقة في الشوارع، لان من لا يحترم قوانين السير سوف يؤذي الاخرين، ومعروف ان من تداعيات الفساد هو الايذاء او الحاق الضرر بالاخرين او بممتلكاتهم، وبغض النظر عن نوعة او مدى هذا الضرر.

والفساد متنوع وسوف يبقى، وهو من اهم معيقات التقدم والتنمية، وبدون شك ان الاستثمار في العدد الهائل من الشباب مجال مكافحة الفساد في بلادنا، سواء من حيث بث الوعي او الاجراءات على الارض، وان تم ذلك بالاسلوب والممارسة الصحيحة، سوف يؤتي بثمارة، ان لم يكن الان فبعد سنوات، وبالاضافة الى العمل على ازالة الخوف عند المواطن او الشاب للابلاغ عن الفساد، فالعمل مطلوب كذلك من اجل تطبيق القانون وبسرعة، والابتعاد ولو تدريجيا عن الواسطة التي ما زالت تستشري في اجسادنا ونمارسها في حياتنا، وهذا كلة يتطلب زيادة التواصل مع الشباب الفلسطيني الذي هوالاساس لنجاح مستدام لعملية مكافحة الفساد في بلادنا.

 

* نقلا عن وكالة معا



المقالات والآراء المنشورة تعبر عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي امان

البحث
 
 
 
 
  • بيئة النزاهة والشفافية والمساءلة في عمليات الشراء العام- قطاع غزة 2018
  • ورقة بحثية حول فاعلية منظومة المساءلة في متابعة قضايا حماية المستهلك
  • دراسة نظام النزاهة في هيئات الحكم المحلي بلدية جباليا - دراسة حالة
  • واقع الدين العام ومتأخرات القطاع الخاص في فلسطين
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم رسائلنا