مواقع ذات علاقة 

 إتصل بنا  

 
     
     
 

في الفساد والحكم الصالح

 
 

 يوسف مكي
 
المصدر : جريدة القدس
 22/1/2010

 قضيتا الفساد والحكم الصالح هما من المواضيع التي شغلت البشرية منذ أقدم العصور. وما محاولة سن القوانين البابلية وبروز النظريات الإغريقية السياسية والاجتماعية: كتاب السياسة لأرسطو، وجمهورية أفلاطون، سوى خطوات جنينية على طريق الحد من ظاهرة انتشار الفساد، وصياغة نماذج للحكم الصالح .

إن التعميم لظاهرة الفساد، الذي بدأنا به الحديث، ينطوي على إقرار بأن الفساد ظاهرة، عرفتها المجتمعات الإنسانية في كل الأزمنة والعصور . إنها إذاً ظاهرة عالمية، لها صفة الاستمرارية . لكن هذا القول لا يمكن التسليم به على علاته، كما لا يمكن أن يعطى طابع الإطلاق، لأن ذلك لو حدث، لا سمح الله، فإنه يعني انهيار منظومة القيم الأخلاقية، وتوقف المجتمعات الانسانية عن النمو والتطور .

وحتى لا تتيه بوصلتنا، في زحمة هذه المناقشة، سننطلق من تعريف الفساد بشكل مبسط، باعتباره نتاج استخدام السلطة والنفوذ، أو استخدام سلطة الآخرين ونفوذهم، في المؤسسات العامة من أجل غايات شخصية وفئوية، ليس لها علاقة بمصلحة الجمهور أو الوطن أو الأمة . إن الفساد يعني أيضاً، ممارسة سلوكيات تعتبر ضمن منظومة القيم الاجتماعية واللوائح القانونية، والمبادئ الدينية شاذة ومحرمة، ولا يتوقف أثرها في الغالب عند حدود الفرد أو الجماعة التي تمارسها، بل يتعداه إلى شرائح اجتماعية مختلفة .

وفق هذا التعريف، يعتبر ضمن ظواهر الفساد تبديد الثروة، ونهب المال العام، وإقامة مشاريع وهمية لا أساس لها، وليس لها عائد ريعي، وعقد صفقات احتيالية، وما إلى ذلك من الممارسات التي تضر بمصلحة الجمهور، وتعطل من تحقيق التنمية، وتهدد أمن الوطن وسلامته ووحدته .

كيف السبيل لمواجهة الفساد وتعميم الحكم الصالح؟ سؤال أزلي لا شك أن نقطة البداية في الإجابة عليه هي تقييم وتفكيك ما هو شائع وموجود من السلوك، في السياقات التي تعرضنا لها، وإعادة تركيبه على أسس تضمن العدالة، وتحقق مصلحة الأمة . ولا شك أن عملية الرصد والمتابعة للظروف التي تستفحل فيها ظاهرة الفساد، ستشكل خطوة أخرى، في احتواء الظاهرة وستساعد على إيجاد فهم أعمق لأسبابها .

لدينا على سبيل المثال، تقارير مختلفة في سياق الكشف عن ظواهر الفساد في العالم، في مقدمتها تقرير لمؤسسة الشفافية الدولية، يقول إن دول العالم الأقل فساداً الآن هي فنلندا وسنغافورة والسويد واستراليا والنرويج وسويسرا والدنمارك وإيسلندا . أما الدول الأكثر فساداً، حسب التقرير ذاته، فهي أذربيجان وإندونيسيا وكينيا وأنجولا والكاميرون وهايتي وبنجلاديش وباراغواي وطاجكستان .

نحن هنا إزاء قائمتين، يبدو أن الأولى يغلب عليها الطابع الأوروبي، باستثناء سنغافورة الآسيوية، واستراليا التي لن يجادلنا أحد في الطبيعة الأوروبية لثقافتها، وأسلوب حياتها، ونظام الحكم فيها . أما الثانية، أفرو آسيوية في تركيبتها وثقافتها، حتى وإن كان من ضمنها بعض دول أمريكا اللاتينية، فهي في الحصيلة جزء من تركيبة العالم الثالث .

سيتنبه آخرون إلى هذه القائمة، ويطرحون أسئلة مشروعة، عن غياب دول كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا من القائمة الأولى، وغياب معظم البلدان العربية، من القائمة الثانية، وسيقال لنا إن هاتين القائمتين تجعلان من الصعوبة بمكان تحديد مواطن الفساد، ذلك أنه يمكن أن يسكن في أعتى الدول الديمقراطية عراقة، كما يمكن أن يتواجد في أكثر البلدان تخلفاً واستبداداً، وغياباً لقوانين حق المشاركة في صناعة القرار .

وجوابنا على ذلك حاسم، في رفض هذا الاستنتاج الموغل في بساطته، رغم قناعتنا، بمشروعية طرحه . فإذا سلمنا بوجاهة ما جاء في القائمتين الصادرتين عن مؤسسة الشفافية الدولية، واعتبرناها بوصلة في تقييمنا هذا، فإننا نلاحظ أن النظام السياسي الديمقراطي عرضة للفساد، شأنه في ذلك شأن أنظمة الاستبداد .

لكننا في الحقيقة لا نعلم كثيراً عما يجري في الأنظمة الشمولية والمغلقة، لأن كل الحقائق مغيبة، في حين يجري تسليط الضوء جهاراً على ما يجري داخل الأنظمة التي تسود فيها الشفافية، وسيادة القانون . إنها تخضع بفعالية لكافة أنواع الكشف والتحليل، الجزئية والكلية، كما يقال في علم الاقتصاد.

والسؤال فيها غير محرم، ولا يجرم سائله . أما في الأنظمة الشمولية والاستبدادية، فإن السؤال بحد ذاته جريمة تعاقب عليها اللوائح والقوانين، ويخون فيها السائل، ويستباح دمه وعرضه وماله.

لكن ذلك على أية حال، لن يعفي الباحثين من رحلة البحث عن السؤال في جذور الفساد وأسبابه. ولعلنا لا نأتي بجديد، حين نقول إن المجتمعات الإنسانية الحديثة، كانت ولا تزال بين خيارين . الخيار الأول، وقد ساد لفترة طويلة، وفيه تغيب فكرة الحرية والمشاركة في صناعة القرار، وقد هيمنت فيه نظم توتاليتارية استثمرت بطانة الناس، من خلال وجودها في أعلى سلم الهرم، مغتنمة الفرصة لتحقيق المغانم والمكتسبات لذاتها، وللفئات المتحلقة من حولها.

في مقابل ذلك نشأ نظام سياسي في العصر الحديث، يقوم على أساس برلماني في ظاهره، لكنه في جوهره يمثل إقطاعاً سياسياً، تغيب فيه فكرة الدولة الحديثة، ويمارس تزييف الانتخابات والتزوير والتلاعب والرشوة، وتوزع الغنائم على أسس من المحاصصات الطائفية والإثنية والعشائرية، وتتلاشى اللوائح والقوانين .

هنا نحن إزاء مظهرين سياسيين، الأول: تضيع فيه حقوق الناس، بما في ذلك حق المشاركة في صناعة القرار، وسيادة القانون . والثاني: يغيب فيه العدل الاجتماعي وتتوسع فيه الفجوة بين الغنى والفقر . وللأسف فإننا في معظم بلدان العالم الثالث، ومن ضمنه الأقطار العربية، غلبنا عنصراً من هذه العناصر على حساب العنصر الآخر، وكان ذلك أحد العوامل الرئيسية في استفحال ظاهرة الفساد في كلا المظهرين السياسيين السائدين .

سيجد البعض حلاً آخر، يتمثل في مقولة “المستبد العادل”، لكن المستبد العادل في التاريخ الإنساني كان ولا يزال ظاهرة استثنائية . وعلى كل، ففكرة الاستبداد هي شيء مقيت بكل المقاييس . وحتى إذا قبلنا بها، فليس بإمكاننا سوى تسمية أشخاص، أقل في عددهم، في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، من أصابع اليد الواحدة، ممن يمكن أن نطلق عليهم هذه الصفة، وممن وضعوا في اعتبارهم الأول مصلحة الجمهور . وسوف نصل إلى نتيجة محزنة، مؤداها استحالة استخدام سيرهم الشخصية النقية وأعمالهم الفاضلة، وتضحياتهم النبيلة، كقاعدة يبنى عليها في إشادة الحكومات والممالك .

وقد يطرح علينا البعض أن نأخذ بعين الاعتبار القواعد الأخلاقية، وأهمية التربية وخلق النشء الصالح، وذلك أمر جميل ومحمود، وكان أفلاطون أول من تنبه له في جمهوريته . لكن الإنسان بطبيعته مملوء بنوازع الرغبة بالتملك والاستئثار. وهذه النوازع تنمو معه بشكل مطرد منذ نعومة أظفاره، وتعززها ثقافات متينة وتقاليد راسخة.

إن منظومة القيم والثقافات السائدة، هي الأخرى، تجعل من الصعوبة بمكان القضاء على ظواهر الفساد، وتأمين حقوق الإنسان . وقد وجدنا أن كثيراً من الوعاظ غارقون في عمليات الفساد، حتى أخمص أقدامهم . وينطبق عليهم المثل الدارج “حاميها حراميها”، لا بد إذن من حل جذري وعملي للقضاء على ظاهرة الفساد .

ومرة أخرى، نعود إلى البوصلة التي بدأنا بها هذا الحديث، تقرير مؤسسة الشفافية الدولية وسنجد أن أسباب احتواء ظاهرة الفساد في بعض الدول الأوروبية، وبشكل خاص الدول الاسكندنافية، هو المزاوجة بين الحرية والعدل الاجتماعي، بما يعني وجود قوانين ومؤسسات مجتمع مدني، ورقابة فاعلة، وضرائب على الدخل، تتجه إلى الأعلى مع ازدياد وتضاعف الثروة، بحيث تتأكد سيادة القانون وحق الناس في المشاركة في تقرير مصائرهم وأقدارهم، وبما يعني تضييق الفجوة، بين الغني والفقير، والحيلولة دون تراكم الثروة .

وينبغي في كل الأحوال، تفويت الفرصة على المنافقين، ذلك أن وجود السلطة المطلقة، هو مدعاة لنمو المحسوبية والوجاهة والكذب والرياء وتسلق المنتفعين، وتلك هي البيئة الملائمة لاستفحال ظاهرة الفساد وانفلاتها .

ان الفساد في الوطن العربي، هو ظاهرة مركبة، يدخل فيها، بالضد من إرادتنا ورغباتنا، عامل خارجي، حين وضع لنا هذا الأجنبي، في نهاية الحرب العالمية الأولى، حدود أقاليمنا ومواطئ أقدامنا، بشكل منع عنا قيام الدولة الحديثة، ومؤسساتها، وغياب فكرة الوطن الواحد، وأسهم بشكل حاد في تحقيق اختلالات في التشكل الديمغرافي وتوزيع الثروة، وهي قضية مهمة جداً.

 

 
     

جميع حقوق النشر محفوظة 2008 - الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة أمان