|
20/2/2010
السبت فبراير 20 2010
- المحامي راجح ابو عصب
خلق الله سبحانه وتعالى
الانسان ليكون خليفة في الارض وليعمرها وفق ما امره به حيث قال
سبحانه وتعالى: «هو انشأكم من الارض واستعمركم فيها» ونهاه عن
الفساد وعن الافساد في الارض حيث قال تعالى: «ولا تبغي الفساد
في الارض ان الله لا يحب المفسدين»، وقد توعد سبحانه جل شأنه
المفسدين بأشد العقاب واشار الى انه اهلك كثيراً من الامم
السابقة بسبب فسادها حيث قال سبحانه وتعالى: «وانظر كيف كان
عاقبة المفسدين».
ان الفساد وجد منذ ان وجد الانسان على الارض حيث اقدم احد ابني
ادم عليه السلام وهو قابيل على قتل اخيه هابيل وهناك دائماً
صراع بين المصلحين والمفسدين وسيبقى الفساد موجوداً بين البشر
الى ان يرث الله الارض ومن عليها، والفساد في عصرنا هذا الحديث
هو مشكلة العصر فكل الدول تعاني من هذه المشكلة المتفاقمة فهي
لا تقتصر على الدول النامية فحسب بل تطال حتى الدول المتقدمة
ومن منا لا يذكر فضيحة «ووتر جيت» التي اجبرت الرئيس الاميركي
الاسبق نيكسون على الاستقالة؟ ومن منا لا يذكر قضية الفساد
التي هزت المجتمع الاميركي في عهد الرئيس الاميركي الاسبق بيل
كلينتون الذي تورط في فضيحة جنسية مع الكاتبة المتدربة مونيكا
لوينسكي؟ ومن منا لا يذكر الاتهامات التي وجهت للرئيس
الاسرائيلي الاسبق موشيه كتساف على خلفية تحرشه ببعض العاملات
في مكتبه؟ كما ان رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق ايهود اولمرت
ما زال يواجه اتهامات بالفساد المالي ناهيك عن العديد من
المسؤولين الذين حوكموا بتهم الفساد.
والسلطة الفلسطينية شأنها شأن غيرها من الدول في انحاء العالم
العربية وغير العربية اثيرت فيها بعض قضايا الفساد وهذا ليس
مستغرباً لانها سلطة وليدة في طور التأسيس.
ذلك ان كل سلطة في بداياتها يتسلل اليها بعض الاشخاص الذين
تغريهم مناصبهم الرفيعة وتسول لهم انفسهم مد ايديهم الى المال
العام او ارتكاب اعمال منافية للاخلاق فليس البشر كلهم ملائكة
منزهون عن الانحراف والفساد.
تسرب الفساد بأشكاله وصوره المختلفة ليس بالامر العجيب اذن،
ولكن السكوت عنه والسماح له بالاستشراء والتفاقم وعدم محاسبة
مرتكبه هو الامر المستغرب والمستنكر.
اما كشفه ومحاسبة مرتكبيه بغض النظر عن مناصبهم الرفيعة
والاماكن الحساسة التي يشغلونها فهذا امر محمود ومرحب به من
فئات الشعب المختلفة والرئيس محمود عباس منذ تسلمه دفة
المسؤولية بعد رحيل رفيق نضاله الرئيس ياسر عرفات اخذ بمبدأ
النزاهة والشفافية والمحاسبة فعمل بصمت على القضاء على كل
مظاهر الخلل والفساد والتجاوزات في كل المستويات على مستوى
المسؤولين وفي الشارع الفلسطيني.
ومن اجل تنفيذ سياسته الحازمة هذه اسند رئاسة وزرائه الى
الدكتور سلام فياض المشهود له بالكفاءة والاخلاص والنزاهة
والشفافية وهكذا قضت السلطة الفلسطينية على كل مظاهر الفساد
والخلل والبلطجة وحكم الميليشيات في الشارع واعادت النظام الى
نصابه حيث قضي على الفلتان الامني وحكم الميليشيات واعمال
البلطجة وعم الامن والامان والرخاء والازدهار الاقتصادي.
وقد اشادت الدول المانحة بجهود السلطة الحثيثة للقضاء على
الفساد والفوضى واعادة تنظيم الاجهزة الامنية والقضائية
والادارية ما جعلها تواصل دعمها المالي للسلطة ولذلك فان ما
تعرضت له السلطة مؤخراً من اتهامات بالفساد انما هو دليل على
جدية قيادتها على اتخاذ الامور محمل الجد وبهذا استطاعت كسب
احترام وثقة قادة دول العالم وزعمائه حيث ان الرئيس محمود عباس
محل ترحيب وحفاوة واكرام من كافة قادة ورؤساء الدول اينما حل.
ان الاتهامات الاخيرة بالفساد والتي اثيرت عبر شاشات التلفاز
على بعض المسؤولين بالسلطة تم اتخاذها بجدية والدليل على ذلك
اصدار الرئيس لقراره ومرسومه الرئاسي الجريء بتشكيل لجنة
تنظيمية لكشف الحقائق ويعد موقف الرئيس هذا بالموقف الصلب
والشجاع الذي اتخذه لرفضه للفساد.
ان نشر هذه الاتهامات في هذا الوقت بالذات كان من المفروض
تأخيره وذلك من اجل مصلحة الشعب الفلسطيني لا بل ايضا من اجل
عدم تشويه صورته اي هذا الشعب في اعين العالم وتعتبر هذه
الاتهامات في الوقت الحالي اساءة الى نضاله وتاريخه المشرق
وايضا اساءة الى قيادته التي تعمل بدأب وبنشاط لا يلين من اجل
انهاء الاحتلال وانجاز الاستقلال ووقف معاناة هذا الشعب
المستمرة منذ عقود طويلة فالرئيس عباس ينتقل من بلد لاخر ويجوب
العالم ويقابل زعماء وقادة دول العالم من اجل شرح عدالة قضية
شعبه ومن اجل انهاء اخر احتلال في العالم، كما ان نشر هذه
الاتهامات القديمة في هذا الوقت هو اجهاض للتقدم بالمسيرة
التفاوضية السلمية التي سوف توصلنا الى بر الامان من اجل اقامة
الدولة وفقا للشرعية الدولية وزرع اليأس في نفوس المجتمع
الفلسطيني الذي يؤدي الى الزعزعة بينه وبين قادته وفقدان
الثقة.
لقد جاء بث هذه الاتهامات بالفساد في وقت تمر فيه القضية
الفلسطينية باخطر وادق مراحلها فالاستيطان يتسع ويستشري في
الضفة الغربية ويسيطر به على ما تبقى من ارض كما ان الاستيطان
يسير بخطى متسارعة في الاراضي الفلسطينية واسرائيل ترفض تنفيذ
الالتزامات التي تعهدت بها بموجب خطة خريطة الطريق ومؤتمر
انابوليس كما ترفض تجميد الاستيطان وتريد مفاوضات غير جادة
لتستغلها في تنفيذ مخططاتها الرامية الى جعل قيام الدولة
الفلسطينية امرا مستحيلا وذلك لتوهم اسرائيل العالم بان الشعب
الفلسطيني ينخره الفساد ولا يستحق دولة مستقلة كاملة السيادة.
ولان الرئيس محمود عباس يتخذ من النزاهة والشفافية والمكاشفة
والمحاسبة مبدأ ثابتا فانه امر بتشكيل لجنة للتحقيق فيما اثير
من اتهامات بالفساد فهو لا يتستر على الفساد ولا على المفسدين
وهو يرى انه لا احد مهما علا منصبه فوق القانون بل القانون فوق
الجميع فمبدأ سيادة القانون ركن ركين في سياسته ومبدأ لا يحيد
عنه كما انه يرى ان الشعب هو صاحب الولاية وله الحق ان يعرف
الحقيقة كل الحقيقة وان ما تحقق خلال الاعوام الاربعة الماضية
انما هو ثمرة من ثمار هذه السياسة الحكيمة الرافضة للانحراف
والفساد بكافة اشكاله وصوره. وهذا ما يوطد العلاقة بين الشعب
والقيادة حيث ان الجميع امام القانون سواء وان اي مظاهر سلبية
واي خلل في الاداء مرفوض اشد الرفض.
ولا شك ان اللجنة التي شكلها الرئيس عباس للتحقيق فما اثير من
قضايا فساد ستقوم بواجبها على اكمل وجه وهي تتمتع بثقة الرئيس
ابو مازن ودعمه الكاملين وستحرص على كشف الحقيقة مهما كانت
ومهما علا شأن مرتكبيها وستصارح الشعب بالحقيقة الناصعة وبذلك
تسد كل منافذ الشر التي تريد الاساءة للشعب ولقيادته ولقضيته.
وتثبت للعالم ان هذه القيادة ممثلة بالرئيس عباس ورئيس وزرائه
الدكتور سلام فياض تسير في خطى حثيثة وثابتة لبناء اسس الدولة
الفلسطينية المنشودة على دعائم متينة من المكاشفة والنزاهة
والاخلاص والمحاسبة وهذا ما يقوم به الدكتور فياض بدعم كامل من
الرئيس عباس حيث هو ماض في خطته لارساء دعائم الدولة وهو في
هذا يحظى بدعم وتأييد واحترام واسع محليا وعربيا ودوليا.
كما ان تشكيل هذه اللجنة اعلان بأن الرئيس عباس حريص كل الحرص
على محاربة الفساد وكل مكامن الخلل والانحراف وانه لا احد مهما
علا منصبه فوق المساءلة وفوق القانون فلا حصانة لمتجاوزي
القانون ولا المتهمين بالفساد والانحراف. وهذا تعزيز للثقة بين
القيادة والشعب واستئصال لكل مظاهر الانحراف، كما انه تعزيز
للحصانة الوطنية وغلق لابواب الفتنة والانحراف والضعف امام
اغراءات المناصب الرفيعة والله نسأل ان يحفظ شعبنا ويقيه كل
العوادي والشرور والله الموفق
|