علّمتنا التجربة في لبنان أنّه يمكن صوغ مطوّلات عن الفساد ومنظومته التي تتغذى باستمرار من طبيعة النظام والتشكيلة الاقتصاديّة الاجتماعيّة القائمة. لذا، فإنّ طرح المسألة على طاولة البحث بوتيرة متكرّرة يعدّ مساهمة جيدة، مهما كانت المقاربة تجزيئيّة.
ولعلّ إحدى الطرق التي يمكن من خلالها الإضاءة على تفاصيل المنظومة المذكورة هي تنفيذ الدراسات الإحصائيّة التي توضح مستوى الخلل القائم على صعيد الإدارة العامّة ونظام الضرائب والنظام القضائي والخدمات العامّة والقطاعات الحيويّة التي تعدّ مرافق عامة لا يمكن الاستغناء عنها.
وعلى هذا الأساس، أعدّت «الشبكة الوطنيّة لمواجهة الرشوة» وهي مبادرة أطلقتها جمعيّة «لا فساد» (LTA)، استطلاعاً شمل 250 شركة تعمل في لبنان.
وأطلق رئيس قسم الأبحاث في مصرف «بيبلوس»، نسيب غبريل، نتائج «الاستطلاع حول الفساد الإداري لعام 2010»، في ورشة عمل نظّمتها الجمعيّة في فندق «فينيسيا» أمس. ومع مضيّه بالحديث، ازداد مستوى القلق من ترهّل واقع العمل مع القطاع العامّ الذي يطمح، بحسب التصريحات الرسميّة، ليكون طبيعياً في تعاطيه مع الخدمات الأساسيّة التي يقدّمها!
بداية، برز رقم مخيف: 65% من الشركات المعنيّة واجهت أوضاعاً «اضطرّت فيها إلى دفع رشوة بهدف تسهيل وتسريع إجراءات رسميّة».
أمّا النسبة الباقيّة (35%) فهي لم تتكلّف دفع رشى لأسباب عديدة، أبرزها لأنّ عملها يقضي كلياً «باحترام القوانين العامّة والتشريعات» وهذا كان جواب 71.4% من الشركات في هذه الفئة، فيما 11.9% «أوكلت الأمور للمحامي لكي يهتمّ بالمسألة»، والمفاجئ أنّ 10.7% فقط من هذه الفئة لم تُرش القطاع العام «لعدم وجود صعوبات في الميدان الذي تعمل فيه».
وللتوضيح، فإنّ الشركات التي أدلت بدلوها في الاستطلاع الذي جرى عبر «مقابلات وجهاً لوجه»، هي شركات متوسّطة وصغيرة الحجم (SME’s) تضمّ ما بين خمسة موظّفين وخمسين موظّفاً.
وإن كان البعض يتوقّع معدّل دفع الرشى من جانب الشركات من حيث العدد، فماذا عن القيمة؟ يوضح نسيب غبريل بناءً على نتائج الاستطلاع أنّ 47.8% من الشركات تسدّد رشى تمثّل ما بين 1% و5% من إيراداتها السنويّة. ويرتفع الرقم إلى ما بين 6% و10% بالنسبة إلى 7.5% من الشركات وإلى ما بين 11% و15% بالنسبة الى 5% منها. أمّا 4% من الشركات المشاركة في الاستطلاع فتدفع رشى كلّ عام تساوي أكثر من 5% من إيراداتها.
وطرح الاستطلاع سؤالاً آخر أساسياً في فهم أحد جوانب الفساد في القطاع العام وتحديداً في ما يتعلّق بعمل المتعهّدين مع الوزارات والإدارات العامّة: «عندما تقوم شركة في القطاع الذي تعملون فيه بأعمال مع الحكومة، ما هي نسبة ما تدفعه على شكل أموال غير شرعية (ترضية) من قيمة العقد الإجماليّة؟».
أجابت 32.2% من الشركات بأنّ النسبة تتراوح بين 1% و10%، فيما 1.7% من الشركات تسدّد بين 11% و15% من قيمة العقد، و4.1% من الشركات تسدّد أكثر من 20% .
وللتوضيح، فإنّ 38% من الشركات إجمالاً تسدّد نسباً معيّنة من قيمة العقود التي توقّعها مع الإدارات الحكوميّة والوزارات لشراء مسؤولين رسميّين يسهّلون عمليّة حصول الشركات على العقود المطلوبة. فيما توضح 62% من الشركات أنّها لا تسدّد أبداً نسباً من قيمة تلك العقود لترضية الجهات الرسميّة.
ومن الإدارات العامّة، ينتقل الاستطلاع إلى النظام القضائي حيث يوضح نسيب غبريل أنّ 56% فقط من الشركات التي تقدّمت بدعاوى قضائيّة تمكّنت من قبض الأموال التي بيّن الحكم (انتصاراً كان أو تسوية) أنّها من حقّها.
وهذا الخلل يمتدّ إلى النظام الضريبي، فخلال فترة عام ونصف عام الماضية زار مدقّقو الضرائب فقط نصف الشركات المشاركة في الاستطلاع (تحديداً 52%). وفي هذه الفئة التي تكارمت عليها الإدارات الضريبيّة بزيارة خاصّة، أكّدت 36% من الشركات أنّ الزائر (غير الكريم!) طلب رشوة، وسدّد 88% من المضيفين الرشوة نقداً، فيما تمّت عمليّة الرشوة عبر موارد غير نقديّة لدى 12% من الشركات.
وفي بعض الأحيان، بدا أنّه لا يجب الاستغراب تجاه هذه الأرقام التي تكرّست في البلاد اقتصاداً ومجتمعاً من الأسفل إلى الأعلى. فعلى سبيل المثال، يُعدّ «طلب الرشوة» من خلال طلب دفعات إضافيّة، العائق الأوّل أمام أكثر من نصف الشركات (51.9%) في عمليّة تسجيل الأعمال.
وتستمرّ آليّة الرشى منذ الخطوة الأولى ليتحوّل الفساد من فعل مخالف للقانون إلى منظومة. ويتجسّد ذلك في موقف الشركات من هذا الخلل إلى حدّ مشاركتها فيه! فعندما تواجه الشركات حالة «طلب رشوة من جانب موظّف في القطاع العام» 53% منها لا تنتقل إلى الموظّف الرسمي المسؤول عن الموظّف الفاسد، أو تحاول أنّ تقدّم احتجاجاً للجهات المعنيّة.
وفي إطار هذه المنظومة، تنشأ وتتكاثر ممارسات الفساد وتخترق معظم الخدمات العامّة والمرافق الحيويّة ويصبح الحصول على خدمة الكهرباء، مثلاً، يحتاج إلى رشوة في 30% من الحالات لتسيير المعاملات بصورة طبيعية!
على أي حال، الأمور، للأسف، تبقى ثابتة كي لا نقول تزداد تأزّماً على صعيد توسّع شعاع دائرة الفساد، على الرغم من أنّ الجميع يحذّر منها. وخصوصاً أنّ أصول وممارسة المهن وتحديد سلوكياتها تبقى مشوّهة، بحسب مديرة شركة الاستشارات «Tomorrow’s Advice»، جينا شمّاس، التي شاركت في المؤتمر أمس.
وتطرح شماس مثالاً عن كيفيّة تغذية التشريعات والقوانين للمنظومة الفاسدة: يقضي قانون الإثراء غير المشروع بتقديم تقرير قبل بدء الخدمة العامّة وخلالها، فيما القانون في كلّ بلدان العالم يقضي بتقديم تقرير كلّ عام.
أحد الحلول التي تطرحها هو رفع السرية المصرفية عن موظفي القطاع العام وملاحقة المرتشي بهدف «عزله عن المجتمع». ولكن عندما يكون المجتمع كلّه جزءاً من عملية دفع وقبض الرشى، هل يصبح هناك فعلاً دواع لمواجهة الظاهرة؟ ربما الجدوى تكون للأجيال المقبلة، إذا بقيت في البلاد ولم تهاجر.
